الجمعة، 3 فبراير 2012

أركان المتاهة الخمسة

٢٥ يناير جديد، بعد عام على كسر حاجز الصمت، وعام على الجراح التى لم تندمل بعد، و عام فى المتاهة التى حاصرنا أنفسنا فيها لعدم وجود رؤية محددة، و عام على الشهداء فى ظلمة القبور.
مررت ليلة أمس (٢٤ من يناير) بالتحرير، فوجدت التحضير للاحتفال الراقص بمناسبة مرور عام على الثورة!!، و هل انتهت و حان وقت الاحتفال؟ هكذا تساءلت؛ و بالطبع كانت هناك دعوات لمسيرات ضخمة من كل حدب و صوب للتذكير بأن الثورة مستمرة و التأكيد على وجوب رحيل العسكر من السلطة، و هل اتفقتم و توافقتم على خطة فعل قابلة للتنفيذ و التطبيق ؟، هكذا تساءلت أيضا. فقررت في نهاية الأمر أن أقبع فى منزلى مع أسرتى أراقب ماذا يحدث و أفرد المجال و الوقت للتفكير و التحليل بعمق، فخرجت بالآتي  بعد تأمل و تفكير و استماع و استمتاع بالحديث مع خالتى التى ناقشت معها الأمر و خرجنا بأركان المتاهة التى نقبع فيها منذ عام الا ١٨ يوما.
١- الأغلبية الفاعلة:
خرجت اليوم الأغلبية الفاعلة فى مسيرات فى معظم المحافظات المصرية، جزء منهم يطالب بتسليم السلطة للبرلمان، و الجزء الآخر يطالب بتعجيل انتخابات الرئاسة، اختلفوا كالعادة فى المطالب، و لكن توحدوا أيضا كالعادة في الرفض، فالكل يهتف مطالبا برحيل المجلس العسكرى و تنحيه عن ادارة شؤون البلاد و ابتعاده عن السياسة، و كأن الأيام تعيد نفسها من جديد، نزلنا و احتشدنا بالميدان مطالبين برحيل "اللا مبارك" و لم نحدد من يتسلم السلطة منه فتركناها لأصدقائه و استبدلنا مبارك بتسعة عشر مبارك آخر.

٢- برلمان ما بعد الثورة:
بدى البرلمان في جلسته الأولى واعدا و باعثا على التفاؤل، فكانت الطلبات في الجلسة الأولى كلها تتعلق بالقصاص من قتلة الشهداء، و الغاء أحكام القضاء العسكرى على المدنيين، و علاج مصابى الثورة على نفقة الدولة، و تعويض أهالى الشهداء و المصابين، و محاكمة رموز النظام البائد سياسيا.
و لكنه لم يخلو أيضا من المناوشات العقيمة التى تستدعى أن نقف عندها لإمعان النظر فيها و تحليلها جيدا:
- وقف النائب الدكتور محمد أبو حامد المنتمى لحزب المصريين الأحرار زاعقا فى وسط القاعة معترضا على ترشيح كتلة الاخوان لأعضائهم على مقاعد جميع اللجان، واصفا أنهم يعيدون ممارسات الحزب الوطني في ثوب جديد، متجاهلا تماما أن من حقهم الطبيعى الترشح لتلك المناصب و أنهم أعضاء مثلهم مثله جاءوا اثر انتخابات منضبطة و نزيهة، و أن من حقهم أيضا أن يفوزوا بتلك المقاعد كونهم أغلبية فى البرلمان ؛ و متناسيا أيضا أن دور اللجان هى فقط مناقشة مقترحات النواب ثم عرضها مرة أخرى على البرلمان للتصويت عليها.
- صرح الدكتور عمرو حمزاوى لقناة روتانا مصرية أنه و الدكتور مصطفى النجار اتفقا ألا يترشحا فى أى لجنة بعد أن رأوا أن فوزهم شبه مستحيل !!!. و نسيا الدكتوران أن هروبهم من المواجهة يفضح ضعفهم و يوضح مدى نظرتهم الدونية لأحجامهم بين أعضاء الأغلبية و يفسر أيضا التمثيل الرمزى للتيار الليبرالي فى المجلس الحالى.
فبرلمان أغلبيته الاخوان و يرأسه اخوانى، مغضوب عليهم لغالبيتهم الممثلة و قطاعات أخرى تخشى تشددهم فى صياغة الدستور، و نطالب نحن بتسليم السلطة للبرلمان، أى لرئيسه أي للمرشد !!!

٣- المجلس العسكرى: 
صار الآن بيننا و بين المجلس العسكرى دماء و شهداء و غضب، و الأعداد التى تطالب برحيله تزداد يوما بعد يوم، و لكنهم مطمئنين أن ليس لهذا الشعب قيادة توافقية تتسلم البلاد، و هؤلاء الجنرالات يتحكمون فى ٤٠٪ من اقتصاد مصر أي من اقتصاد الشعب، و يقتطعون لأنفسهم النصيب الأكبر من ميزانية الأمة، فهل يعقل أنهم سيسلمون الراية و يبتعدوا عن الساحة دون أن يؤمنوا أنفسهم من الملاحقة القانونية، و التأكيد على مميزاتهم ؟!!

٤- الرئيس المنتظر:
مطلب حشد خلفه مئات الآلاف، و هو التعجيل بالانتخابات الرئاسية، و لكن أي صلاحيات ستكون فى يد ذلك الرئيس ؟، و من هو هذا الشخص الملائكى الذى سيقبل أن يترشح و صلاحياته تحت التهديد لعدم كتابة الدستور بعد؟. هناك ردود أن الرئيس سيترشح على نفس صلاحيات رئيس المجلس العسكرى، و نسينا أن من صلاحيات رئيس المجلس العسكرى من ضمنها رئاسة القوات المسلحة و الشرطة، و حل البرلمان و الاعتراض على قرارات مجلس الشعب. فإذا تم بالفعل و وصل شخص ما لذلك المنصب بهذه الصلاحيات، فيكفيه بافتعال مشكلة، أن يحل البرلمان، و من بعدها ندخل فى دوامة جديدة و هى اعادة الانتخابات البرلمانية، لتنتخب هيئة وضع الدستور، و نظل هكذا حتى يبت الله في أمرنا. و اذا لم يحدث هذا و بالفعل تم كتابة الدستور و تم تقليص مهام و صلاحيات الرئيس أو تحولنا الى دولة برلمانية، هل حينها نعيد اجراء الانتخابات الرئاسية أم نتركه فى مكانه لسد الخانة ؟!!

٥- الدستور:
بات الحديث عن كتابة الدستور كأننا دولة نشأت حديثا و لسنا من أول مَنْ صاغ الدساتير فى العالم، بل و صيغنا دساتير دول أخرى. الحديث عن كتابة الدستور من أول و جديد هو حديث مترهل و عار تماما من الصحة، لأننا أولا لا نعانى من عوار دستورى الا فى المواد المتعلقة بمهام الرئيس و مهام السلطات الثلاثة و الفصل بينهم، و تلك المواد تم صياغتها بالفعل و أكثر من جهة و فقيه دستورى أعلنوا ذلك و أنهم جاهزون للمناقشة. ثانيا إن ما يحكمنا هي القوانين المترتبة على المواد الستورية، و هى ما تعاني بالفعل من عوار و مغالطة، و هي ما تحتاج للوقت و الجهد حتى نستطيع تعديلها و تجديدها.

ما أراه الآن حتى نتفادى أي تعطيل أو تطويل للفترة الانتقالية، أن تبدأ الأغلبية الصامتة بالضغط أولا على أعضاء البرلمان و تذكيرهم أننا في فترة بناء نحتاج فيها لانكار الذات كما نحتاج فيها للتوافق لا التناحر، للتكامل لا الادعاء بالكمال، و أن يتراشقوا ليكونوا صفا واحدا فاعلا من أجل البناء الجاد. ثانيا أن يرحل أعضاء المجلس العسكرى بعد مساومتهم على عدم ملاحقتهم قضائيا بشرط أن تتقلص ميزانيتهم و يدخل الفرق فى الميزانية العامة للدولة و أن يتم تقاعد كل من هو فوق ال ٦٢ عاما، و أن يتم انشاء مجلس دفاع وطنى يشارك فيه مدنيون. ثالثا أن تتم كتابة الدستور أولا ثم ترشيح الرئيس و أن يقسم الرئيس أمام مجلسى الشعب و الشورى فى اليوم الأخير من شهر يونيو.

هذا ما أراه حاليا حتى لا نتكبد دماء أكثر أو نضيع مجهودنا فى الدوران حول أنفسنا دونما نتيجة ملحوظة. و مهما ضعف الأمل أو قلت الحيل، تذكروا أن الحياة تولد من ظلمة الرحم، و أن الحى يخرج من داخل الميت.

عبدالله شلبى 
٢٦ يناير ٢٠١١
١:٥٥ صباحا










ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق