الأربعاء، 28 أبريل 2010

حريم الفراعين

ذهبت فى يوم إجازتى ، الى المقهى التى تعودت على ارتيادها لأقابل أصدقائى . و كعادة المصريين لا يخلو كلامهم من الكورة ، أو السياسة . و بما أن لا يوجد هناك عمار بينى و بين الكورة فأصبح حديثنا سياسيا . بدأنا الحديث عن الحراك السياسى الحاصل فى البلاد ، و عن فكرة بيع مصر بالكامل فى صورة سندات ( عشان يلموا القرشنات و يخلعوا بيها) ، و عن فترة النقاهة التى تأخذها البلد بكاملها بسبب عملية جراحية لمواطن واحد .

و تحدثنا عن البرادعى و لمّه لشمل المعارضة فى جبهة واحدة ، و بيان التغيير الذى يظنه بعض المصريين أنه لا قيمة له و البعض الآخر أصاب بحالة ذعر عندما اكتشف أنه سيكتب اسمه بالكامل و رقم بطاقته .

لكن كان يحدث شيئا غريبا فى المقهى يومها ، كان يستأذن (كل دقيقتين تقريبا) واحدا أو اثنين للجلوس معنا ، حتى أصبح كل الجالسون فى المقهى يومها فى دائرة كبيرة باتساع المقهى بأكمله ( كنا نزيد عن ال ٤٠ شخص ) . اللهم الا رجل عجوز يرتدى زيا صعيديا بقى جالسا وحيدا.

انقسم كالعادة الجالسون كلهم بين مؤيد و معارض لفكرة الإمضاء على البيان و حول البرادعى بشخصه ، ولكنهم جميعا اتفقوا على شيئين كادا أن يتسببا فى رفع ضغطى :

أولا : عدم الإمضاء على بيان التغيير ، خشية رد فعل الأمن !!!! ( وكأنهم يوثقونه فى الشهر العقارى و ليس فقط على الموقع)

ثانيا : أنهم جميعا مع فكرة التغيير و أن لا مفر منه ، و لكنهم (و أسفاه) ليس مستعدون لعمل أى شئ غير التأييد بالقلب ، و مبررهم الوحيد (احنا ٨٠ مليون مجتش عليا أنا !! ) و لا يعلمون أن ال ٨٠ مليون كلهم يقولون نفس الكلمة.

هممت فى الانصراف ، بعد أن حاولت أن أشرح لهم أن مستحيل أن تؤخذ الحقوق بغير سعى ورائها ، و أننا جميعا مشتركون فيما يحدث لنا و ليس لنا حتى الحق فى الشكوى ، الا إذا فقنا من غفلتنا و قمنا مطالبين لحقوقنا و مستقبل أولادنا و بلادنا.

و أنا فى طريقى نحو الباب ، سمعت صوتا ينادى من خلفى " يا ولدى ، يا ولدى " ، فالتفت فإذا بالرجل الصعيدى العجوز يشير الى أن أذهب اليه . و بالفعل ذهبت اليه و قلت " اؤمر يا جدى" ،
(سأكتب كلام الرجل العجوز كما قاله لى بلهجته بالضبط )

فتبسم و قال " تسمحلى أتحدد معاك اشوية "

فقلت له و أنا أجلس " ده شرف كبير ليا"

فقال بعد أن أخذ نفسا عميقا " لسّانا يا ولدى فراعين ، معانا موسى بس برضك خايفين ، و مش هتجوم لنا جومة غير لما نبجى مُسلمين ، مُسلمين يا ولدى بحق ، مُسلمين مِسلمين أمرنا لله من قبل و من بعد ، ساعتها بس يا ولدى هتلاجى شعب غير الشعب، و حقنا هيرجع لينا بإيدينا مش رايحين نشحته من الغرب . والغرب مالهم و مالنا ، ما همّا فرحانين اكّده بحالنا ، طول ما انت محتاج لهم فى الآكلة و الهدمة همّا جاعدين فى نعيم ، هو احنا بقينا نصنع فى بلادنا غير شوية حريم !!! ، أيوة حريم يا ولدى متستغربش من أكبرنا لأصغرنا بقينا كلنا حريم ، المهم عندنا ناكل و نلبس و نربى عيالنا ، لكن رجالتنا يا إما ماتوا يا إما مسجونين ، مش برضيك الحرمة عندكم عليها انها تسمع الكلام و متعارضش ، طب لما شعب و حكومة كلهم ينفذوا الكلام و ميقدروش حتى يعارضوا ، ويمشوا من الخوف مداريين و وشهم فى الأرض ، مش اكّده برضيك صفات الحريم ؟!! ، و كل حرمة إهنه تخاف من الحرمة الأكبر منّيها ، لكن فى الأخر كله بيسمع كلام الرجّال اللى ماسكين زمام الأمور فى العالم كلاته (كله) . مش برضوا بيجولوا مصر أم الدنيا ؟!! تبجى حرمة و لا لأ يا ولدى ؟؟؟؟!!!!!

نصيحة يا ولدى و انت ماشى فى الطريج الوعر دِه ، أول متلاقى راجل صُح اكّده زيك تمام ، حط يدك فى يده عشان تبجوا أجوى و صوتكم أعلى ، و أوعاك فى يوم تخاف من مخلوق ، طول ما انت ماشى في سكة الحق ، عشان الحق لوحده اللى قادر على كل الخلق "......

فانصرفت بعدما احتضننى بشدة ، و رفض أن يتركنى أقبّل يداه ....

الاثنين، 12 أبريل 2010

حكم العساكر

أخذنى القدر الى مكان جديد ، ليزداد عشقى و ليزود من حبى لبلاد طيبة . أصبحت أؤمن أنها محتلة ، و أنها لم تتخلص بعد من بطش و اغتصاب المحتل . و يا له من إحساس عندما يهينك ضناك ، أو يحجر عليك فلذة كبدك ، أو يورثك و أنت ما زلت حيا.

ذهبت الى وادى الريان بالفيوم ، حيث الشلالات العذبة التى تصب فى البحيرة المالحة ، و حيث الطيور المهاجرة التى تتفاخر بألوانها ، وحيث الشمس الناعمة التى تتأنى و تتلطف و هى ترسل أشعتها الذهبية.

و ذهبت أيضا الى وادى الحيتان ، لأجد فى انتظارى آلة الزمان تعود بى ٤٠ مليون سنة للوراء ، و تجعلنى أسير فى أعماق بحر مسافة ٤،٨ كم ، لأرى من حولى الحيتان بأحجامها الضخمة متحجرة ، و أسماك و كائنات أخرى كثيرة . و أرى جبال من الشعاب المرجانية ، و أسير بقدماى فوق قواقع و محار لا حصر لها . و ناهيك عن المعادن الناجمة من جفاف ذلك البحر .

انفصلت عن الفوج و صعدت وحيدا شارد الذهن ، الى قمة جبل من تلك الشعاب ، و أخذت أبث همّى و حزنى الى الله ، على تلك الثروات المهدرة ، و تلك الشابة التى شابت قبل آوانها من أفعالنا و من اهمالنا و جهلنا . فأنا لم أسمع من قبل عن تلك الأماكن و لا عن تاريخها ، شعرت للحظة أننى مهاجر فى بلدى أو ربما عابر سبيل أكتشف بمحض الصدفة أماكن يكاد أن تذهب من جمالها العقول . تاريخ يتحدث عن نفسه و يثبت للإنسان فى كل لحظة ضآلة حجمه و قدرة خالقه .

و بينما أنا حزين و سارح فى كل ذلك الجمال من حولى ، جائنى طفل كان معى فى الفوج و همس فى أذنى " لماذا تجلس وحيدا؟" ... فجاوبته "لأننى مهموم" .... فسكت قليلا ثم قال " هل تعلم أن هذا المكان لو كان فى أى دولة كان كفيلا أن يدخل لها ملايين ؟ " لماذا لا يعلنون عن تلك الأماكن ؟" ...

و غلى الدم فى عروقى و كدت أن أنفجر من الغيظ عندما تذكرت إعلانات السياحة فى مصر التى لا تظهر شيئا غير بعض الكباريهات و الراقصات ثم ينتهى الاعلان بجملة " مصر متتنسيش " و هم يقصدون " نسوان مصر متتنسيش" ، و الإعلان الآخر الذى نرى فيه الكاميرا تجوب شوارع و كبارى مصر مظهرة مدى زحامتها و اختناق شوارعها و ينتهى هو الآخر بجملة "نورت مصر" و هم يقصدون أيضا "متزحمش مصر" أكثر من زحمتها .

ثم تمالكت أعصابى بقدر ما استطعت و جاوبته قائلا " المشكلة فى حكم العساكر اللى احنا عايشين فيه ، الناس اللى ماسكيننا متعلموش حاجة غير صف و انتباه ، ان شاء الله لما نأخد بلدنا تانى منهم أكيد اللى هيحكمنا ساعتها ان شاء الله علماء و ناس بتفهم ، ساعتها بس هنلاقى اللى يعرف يعلن عن الأماكن دى "

و فوجئت بيده الصغيرة تمتد نحو وجهى ، و تمسح دموعى التى لم أستطع أن أتمالكها هى الآخرى ......


عبدالله شلبى
٢٠١٠/٤/١٣
٠٩:١٧ م