السبت، 29 نوفمبر 2014

حضن المطارات

"سافر هي قفلت ولازم اللي يلحق يخرج منها يخرج بسرعة عشان يعيش... أيوه احنا هنا أموات أو تقدر تقول زومبيز" .
كان هذا ردي عندما صارحني أخي وصديق عمري أنه قرر الهجرة الى كندا، أقل من أسبوعين كانا يفصلانا عن ميعاد طائرته عندما كنا نتحدث.

مرت الأيام سريعة وغير مفهومة، كلما باغتني الشعور أنني سأفتقده، كان كل ما في البلد يجعلني سعيدا أن أحدنا استطاع النجاة، بلى كل هذا الفشل والجهل الذي يحيط بنا كانا كفيلين أن أحمد الله لنجاته من هذا المستنقع الذي ليس له قرار!

هذه البلد التى حلمنا في يوم أن تكون هي المنافسة لدبي وكندا، وقررنا أننا سنبذل فيها قصارى جهدنا حتى نقلب الآية، وبدلا من أن نهرب منها تهرب الشعوب الأخرى اليها، هذه البلد التى نزلنا من أجلها حقا وقررنا أن نضع للفساد والجهل فيها حد وأن نقتلع نظاما ظل يُجهل شعبها حتى حوله الى قطيع من الرضع وهو أمه!

من المضحكات المبكيات أننا نفدنا من الموت بأعجوبة أكثر من مرة منذ انلاع الثورة، وما نزل فينا أحد الى مظاهرة الا وكان الآخر بجواره.

قبل السفر بيوم قضينا الليل بطوله مع كل أصدقائنا، كان كلما مر من أمامي خطفت منه حضن، كأنني أخزن الأحضان حتى لقائنا القادم الذي لا أعلم بعد متى سيحين!

ذهبنا للمطار يوم 28 نوفمبر 2014 وكانت الشوارع شبه خالية تماما بعد أن قبع الشعب في بيوته بعد دعوات الجبهة السلفية للتظاهر، كان هو وخطيبته وأخينا الأصغر في سيارة و أنا وصديقين خلفهم، كان يقود بسرعة وكنت خلفه أطلق من الزمور تهليلة الفرح، لم أرد أن يكون وداعا فقررت أن يكون فرح.

سافر الصديق والخل الوفي، ذهب بعدما احتضنته "حضن مطارات" على أكمل وجه، ذهب ليتنفس هواءا منعشا، ويعيش مع آدميين أحياء، أعلم أن أمامه الكثير والكثير حتى ينفض عن عقله وجسده تراب هذا القبر المقيمين فيه اقامة جبرية، ولكنني أعلم أنه رجل ولن يخيب ظننا فيه...


عن عمر نصرت.


عبد الله شلبي 
القاهرة في 29 نوفمبر 2014

الأحد، 30 مارس 2014

المطاردة الإجبارية!

في طريقي اليوم من مدينة 6 أكتوبر الى مستشفى القصر العيني، و في تمام الساعة 11:15 صباحا، كنت على موعد مع صدمة أدرينالين زائدة.

بعد "هايبر وان" بخطوات، كان هناك كمينا مؤلف من حوالي 6 ضباط أو أكثر و معهم عساكر. كنت أستقل سيارتي مع اثنين من زملائي، و بينما نتقدم على مهل الى الكمين، انقض على السيارة 4 ضباط مشهرين أسلحتهم ليوقفوننا و بدأ العسكري يفتح الباب الخلفي للجهة اليمنى!
أوقفت السيارة وقلت أنا دكتور في القصر العيني، قال أحدهم "اركن على جنب"، و بينما يقول آخر من بعيد "مش هو سيبوه"، أصر الضابط - شبيه الفنان طلعت زين- أن نتوقف جانبا و كان العسكري بالفعل أنزل زميلي الجالس في الخلف من السيارة، وقفت و نزلت من السيارة، و ان كان هو الحال مع كل سيارة لونها "أحمر"!

لم تمر سوى دقيقتين، حتى طارت سيارة نيسان صني لونها نبيتي من على الرصيف الفاصل بين الطريق السريع و البطئ، و سارت في الطريق البطئ مندفعة نحو أحد أمناء الشرطة الذي كان يمسك بيده صاعق كهربائي، و لكنه قفز من أمامها و وجه الصاعق نحو السيارة فلم يصبها، في نفس اللحظة قال أحد الضباط "اضربوا على الكاوتش" ولكن لم يسعفهم رد فعلهم لتلبية الأمر -وهذا من ستر الله لأننا كنا في مرمى نيرانهم- أوقف أحد الضباط سيارة فضية اللون و أنزل سائقها منها و انطلق خلف السيارة المستهدفة، و بينما كان يركض آخر-شبيه طلعت زين- نحو سيارتي، ركضت نحوها أيضا وقلت له "عندي مستشفي متاخدهاش!" فإذا به يقول لي "طيب طير وراه" ويركب هو و آخر معي وننطلق أيضا خلف السيارة المستهدفة! 

وصلنا الى مفترق طرق في آخر الطريق حيث اما أن نصعد الى محور 26 يوليو أو نتجه يمينا على أبو رواش، سألت الضابط، فقال لي اتجه يمينا. اتجهت يمينا و لكن كان السارق اختفى. وفي طريق العودة من حيث بدأنا مشهد الأكشن، فهمت أنها سيارة مسروقة و تم الابلاغ عنها وتتبعها.

و من الأسئلة التي لم يسعفني الوقت لأوجهها للضابطين:
هل تنصبون الكمائن دون أن يكون معكم سيارة مجهزة للمطاردة؟!
هل تنصبون كمينا واحدا في منتصف طريق اذا مر به السارق فقد فاز وحلال عليه العربية؟
هل كان من الصعب أن توقفوا عسكري على بعد عدة أمتار من الكمين ممسكا بحبل مربوط في مفجر الاطارات ليسحبه حين الحاجة؟!

لا أعلم مصير السيارة الفضية التى تم إنزال صاحبها منها ولا أعلم هل سيراها ثانية أم لا، كل ما أود أن أختتم به شهادتي هو الحمد لله حمدا كثيرا، أنه ألهمني أن أنقض على سيارتي قبل أن تكون ذكرى!!

الحمد لله حتى يبلغ الحمد مداه


القاهرة في 30 مارس 2014
2:55 مساءا

عبد الله شلبى

السبت، 25 يناير 2014

ثلاث سنوات

ثلاث سنوات مضوا على أصدق لحظات الإيمان بالله و قدرة النفس.
ثلاث سنوات مروا على أقوى صيحة بقول "كفاية". كفاية شاملة وافية، كفاية ظلم، كفاية قهر، كفاية تخبط، كفاية عجز، كفاية قلة كرامة، كفاية إهانة، كفاية خوف، كفاية توزيع في ثروات البلد كأنها ملك للحاكم و أعوانه، كفاية أجساد الشباب التي تحولت لطعام لسمك البحر هاربين من الذل ...... كفاية!

كنا 7 شباب قررنا أن نستفيق الناس في احدى الأحياء الشعبية -و كان بقية أقراننا قرروا الانضمام الى مسيرة مصطفى محمود- فوقع الإختيار على منطقة إمبابة، و ذهبنا لا نخشى قلة عددنا، إحساس غريب فى قلبي مزيج من الإيمان و التحدى، و كثير من الأسئلة!
هل سيتجاوب معنا الناس؟ هل سينضمون لنا أم سيرمقوننا بالنظرات كمجاذيب تصيح؟ هل سنواجه عنف؟ هل علىّ أن أتصل بوالدتي و أصارحها أنني سأكون في تظاهرة في امبابة؟ 

توقف الميكروباص في شارع المحكمة و لم يعد هناك غير اللحظات الفعلية لتجيب كل أسئلتي. مشينا متفرقين نباعد المسافة بيننا فى أول الأمر حتى لا نلفت الأنظار، ثم وجدنا فى آخر الشارع حوالي 15 شاب و فتاة يحملون لافتات وسط كردون أمني! "كردون أمني في شارع جانبي في امبابة؟! واضح ان اليوم هيحلو" هكذا تمتمت مع نفسي، و اذا بأحد أصدقائي ينطلق فى الهتاف "علّي سور السجن و علّي جاية الثورة تشيل ما تخلّي" فانطلقنا معه نهتف، و اذا بالكردون ينفتح و يأتي عساكر من خلفنا لضمنا على المحاوطين، و لكن ردة فعلنا كانت أسرع و باغتناهم بأن تشتتنا ففتحوا الكردون ليلحقوا بنا و ضمت المسيرتين على بعض في غضون لحظات!

انطلقنا في الحواري و الشوارع الجانبية، و قررنا ألا نخرج من امبابة الا بعدد كبير يسمح لنا اثارة ضجة و يصعب على الشرطة محاصرتنا، و كان لنا ما نوينا. صار بعد حوالى 3 ساعات ما يقرب من خمسمائة شخص في مسيرة منظمة، و الهتاف موحد يرج البنايات، فانطلقنا الى شارع الكورنيش لننضم بالصدفة الى مسيرة مصطفي محمود و أصبحت الأعداد مبهجة.

يا الله! كنا 7 أشخاص لا نملك شئ الا إيماننا بأن لا بديل عن النجاح في تحرير كلمة "لا" من الصدور، فصرنا ألفين أو نزيد. كان القهر واضح في العيون، الظلم سهل أن تشم رائحته، الغضب مدفون في عمق الأجساد. الأعداد أغلبها ان لم يكن جميعنا في ريعان الشباب. 

كانت 25 يناير انتفاضة غضب ضد الظلم، و كان -و مازال حتى هذه اللحظة- ممارسات الشرطة هي عنوان للظلم، لم تنجح حتي هذه اللحظة 25 يناير، لم نحقق العيش و لا الحرية و لا الكرامة الإنسانية ولا العدالة الإجتماعية، لم ننجح لسذاجتنا و كثرة ما أحيك لنا.
و لكننا نجحنا في تحرير كلمة "لا"، و نجحنا في ترسيخ مفهوم أن الشعب اذا قام أنهى المقام، و على الحكومات أن تخاف من الشعوب و تسترضيه و ليس العكس.

هذه الذكرى الثالثة و غير راض لما وصلنا اليه، و لكن لن أندم يوما على مشاركتي..... أمسكوا عليكم أحلامكم و أعدوا لها جيدا، و تعلموا من أخطائكم و إياكم أن تثقوا فيمن خانكم. على حجم إيماننا فيما نريد سنصل اليه مهما طال الطريق!


عبد الله شلبي
24 يناير 2014