الجمعة، 30 سبتمبر 2011

الزعيموفيليا

أربعة مرات، تم تأجيل كتابة هذا المقال، فى كل مرة كنت حين أستجمع نقاط ما سأكتب عنه أصاب بارتفاع شديد فى ضغط الدم؛ لدرجة أننى فى المحاولة الأولى للكتابة و من شدة ارتفاع ضغط دمى، انطلقت الدماء من أنفى تتساقط علي لوحة المفاتيح فى مشهد غريب أوضح لى شدة تأثرى بالحدث.

جاء أردوغان الى مصر الثورة، و كان يعلم أن مصر الثورة تختلف كثيرا عن مصر التى عرفها العالم لعقود طويلة. فالشعب صنع ثورته، و قاتل و اقتنص كرامته و ها هو يوما بعد يوم يعلى و يثبت كلمته. أتى أردوغان مستشعرا رهبة و قدسية الميدان التى غيرت حتى رائحة الجو فى مصر الثورة. كنت فرحا لمجيئ واحد من صناع الحضارات الحديثة لمصرنا و هو يشعر بكبر هذا البلد و شعبه، و جعلنى أستشعر العزة رغم تأخرنا لسنوات عن تركيا.

جاء اليوم التى وطأت فيه قدمى أردوغان القاهرة، و بدأت الأنباء تأتينى صادمة كل ساعتين تقريبا. أولا اتصال من احدى الصديقات تسألنى هل مررت من على كوبرى أكتوبر اليوم؟ فتساءلت مستنكرا: و لماذا؟ فقالت لى أن هناك اعلانات ضخمة موضوعة عليه مرحبة بقدوم "الزعيم" رجب أردوغان !!، فقلت لها يمكن أن يكون ترحيب ديبلوماسى و لكن فرط العقد منهم بعض الشئ. ثم ما لبثت الا بضع ساعات حتى تناقلت الأخبار أن وفدا من جماعة الاخوان يستقبلون أردوغان فى المطار بالأعلام التركية و المصرية !!!! . بدأت أقول فى نفسى يبدو أن المازوخية فى هذه الجماعة أصبحت عقيدة أكثر من أنها مرض، فما الذى يجعلهم يتشدقون الى أن يكونوا أتباع و يبحثون عن زعيم فى وقت الشعب فيه هو الزعيم أصلا.
ساعات قليلة و كان موعد خطابه فى دار الأوبرا المصرية، و فى خطابه غلقت شوارع القاهرة من شدة الازدحام بسبب أشخاص يقفون أمام الأوبرا يهتفون بحياة أردوغان، و يتراقصون تحت الأعلام التركية. ثم جاءنى اتصال من أحد الحضور يسخر مما حدث عند دخول أردوغان القاعة، فقام فريق يكبر "الله أكبر و لله الحمد" و فريق آخر يهتف" بالروح و الدم نفديك يا أردوغان".

كل تلك الأنباء تتوالى على و شريط يوم ٢٨ يناير يمر أمام عينى، لقد نزلت و شاركت في هذه الثورة لأن لم يكن لها زعيم، نزلت لأؤكد أن الشعب هو الزعيم و هو السيد. هل كنت سأموت فى تلك اليوم من أجل شعب يتلذذ بالعبودية ؟!! ، هل تلك الرصاصة التى مرت بجوارى أمام قسم الأزبكية كادت أن تستقر فى جسدى من أجل أناس أسقطوا ديكتاتورا فذهبوا ليستعيروا زعيما من دولة أخرى؟! . ما أشبه اليوم بالبارحة؟ ، عندما ثار الشعب المصرى على خورشيد باشا ذلك الديكتاتور المتعجرف، ثم ذهب الأعيان و على رأسهم على مبارك ليبايعوا الألبانى محمد على باشا ليحكم مصر !!! فهل جينات العبودية نتوارثها هى الأخرى ؟!!

أرسل لى بعض الأصدقاء فى نفس اليوم - المصائب لا تأتى فرادي - أغنية تدعى "مطلوب زعيم" فاستمعت اليها أول مرة  فأعجبتنى الكلمات، ثم عدتها مرة أخرى فجن جنونى، و عندما رأيت عدد من شاهدوها و شاركوها لم أصدق تماما ... فكيف لشاب لم يبلغ من العمر ثلاثون عاما يخرج علينا ليغني طالبا زعيم!! ثم شباب من محتلف الأعمار يؤيدون الرأى و يشاركونه مطلبه !!!

أيها الشعب، عليك أن تعلم أنك الآن فى موقع يحسدك عليه كل الشعوب، أنت الآن أعلنت و تؤكد كل يوم أنك أنت الزعيم، نحن الآن أول دولة فى العالم بها ٨٠ مليون زعيم، لقد أبهرت العالم بدرجة وعيك و قوة ادراكك أن الشعب هو السيد و هو الحكم، و أن الشعب هو الفاعل و لن يكون مفعول به، فإياك أن ترتكن للراحة و الاستسهال و تُنصّب بيدك من يتحكم فى مصيرك و قوت يومك، اياك أن تطالب فى يوم بزعيم يستأسرك ليُصيّر مصالحك على هواه، و يغتر في نفسه و يعتقد أنه ملهم. كن أنت دوما فى الريادة و اجعل كل من فى الحكم يعملون وفق مخططاتك أنت و توجيهاتك لهم، فانهم فقط يديرون هذا الوطن الذي تملكه أنت، و أنهم جميعا يعملون من أجل راحتك و اسعادك، و إن لم يؤدوا واجبهم فاطردهم شر طردة غير أسفا على أى منهم.

أيها الشعب نحن الآن لا نحتاج الا لأن نرسم النظام الذى سنعيش به فى مصرنا الجديدة و لذلك مع كل احترامى لمؤلف أغنية "مطلوب زعيم" لقد أعدت كتابة الأغنية و لكن جعلت اسمها "مطلوب نظام"


مطلوب نظاملشعب طول عمره عظيم
لشعب كان فاعل زمان لكنه هانحتي إنه ثار
بإيدين كبار وإيدين صغار
مفعول بيه بيقسموه ويفرقوه
ويقطعو في عين اللي جابه واللي جاب أبوه
عشان يموتأو ينتهي
مطلوب نظاملشعب حكامه خانوه
وتوهوه وغيبوه واللي انتبه منه وفاق غموله عينه وكمموه
وسلموه في المعتقللكلاب جعانة يقطعوه
لكنه رغم القهر قام زأر وزام
وفي أسبوعين زلزل حصون الجلادين هد السجون
فوق راس جميع المفسدين
مطلوب نظاميحمي الحقوق
يعدل ما بين الناس تمام زي الفاروق
ويكون حنين علي الفقير
وعلي اللي فاسد يفتري
يهدم علي دماغه الشقوق
ويعلقوه في المشنقةأو يرفعوه علي راس خازوق
مطلوب نظامميقولش علي الخواف حكيم
ويكون كمان سمعه سليم يسمع لنبضة قلبنا
ويكون مكانه في وسطنا
ميكونش على قد القصور
والبعض منا للأسف ساكنين قبور
نشرب وناكل كلنا
و نقدر نحقق حلمنا
و ميضعش أبدا حقنا
يسمعلنا ويشور وياخد رأينا
وقت الخطر نتلم نحميه كلنا
ونضحي عشانه بعمرنا
مطلوب نظامعلي كرامتنا يكون أمين
ويكون جرئ ويكون شجاع مش إمعة وحتة بتاع
يعرف يقول للظلم لأ
 ولا يفرط يوم في حق
مطلوب نظام نقدر نحاسبه بالقانون
للاختصارمطلوب وطن
عبدالله شلبى 
٣٠ سبتمبر ٢٠١١
٩:١٢ صباحا

هناك تعليقان (2):

  1. مقالة جيملة و انا اتفق معاك فيما و ضحت من مشكلة إدمان الزعامة عند البعض. و لعل تحديد معالم النظام المنشود و آليات تفعيلة من أكبر تحديات ثورتنا. هذه مهمة المفكرين أمثالك و هى مهمة ليست بالسهلة و تحتاج جهداً و فكراً يسموا فوق كافة التناحرات الإيديلوجية.
    أرى ان إقحام "نظام" فى كلمات أغنية مطلوب نظام غير موفق. كثير من المعانى تنطبق على فرد و لكن لا تصلح لنظام.

    ردحذف