السبت، 23 أكتوبر 2010

أندلسيو مصر

كنت البارحة فى الجلسة الأسبوعية العائلية ، حيث المحاولات المستمرة للحفاظ على صلة الرحم من مشاغل الدنيا و دوامة التطور و التطلعات. بدأ الحديث كالعادة بتذكر المواقف المضحكة و أهم أحداث الأسبوع ، مرورا بأهم الأخبار التى حدثت على الصعيدين السياسى و الكروى ، ثم بدأت موجة السياسة تعلو شيئا فشيئا حتي سيطرت على دفة الحوار .

من المؤكد أنه بدأ الحديث بالنواح و الأنين على أحوالنا التى تدهورت بشكل لا نحسد عليه ، و بدأ جيل أبى و ما يصغره فى عقد المقارنات العقيمة بين هذه الأيام و أيام السبعينيات و ما قبلها . تدخلت قاطعا للحوار - حتى لا يطيلوا السرد فيما لا ينفع و لا يصلح شيئا- متسائلا : هل تريدون حقا فعل شئ من أجل أن تصلحوا من أحوالكم أم ستكتفون بالعويل و الندب ؟

كان وقع السؤال فى نفوسهم غريب بعض الشئ ، منهم من لمعت عيناه منتظرا معجزة من السماء أو كلمة السر لبوابة على بابا ، و منهم من أغمض عينتاه متكبرا و كأنه حوى الدنيا بعلمها و خبراتها و ينتظر متربصا أن أحرك شفتاى ليقول و فمه شاغرا "مفيش فائدة" ، و منهم من لم يهتم أصلا بما سأقوله لأنه محترف عويل و لطيم و اعتقاده أن الأمل معدوم يسرى فى شراينه مسرى الدم .

بدأت فى الحديث عن بيان التغيير و أن عدد الموقعين عليه شارف على مليون شخص ، و أنها خطوة ممكن أن تفعل شيئا حقا اذا زاد العدد و أصبح حرفىّ كلمة "لا" أقوى من الهراوات و العصى و أقدر من النار على تسييح القيود.

أولا التمست بريق أمل فى السكوت الذى ساد المكان ، ثم بدأت رائحة الخوف و الكسل و الخنوع تفوح من كل فم يفتح ليرد على قولى ، هل الحكومة ستهتم أصلا بهذا حتى و لو أصبح العدد ثمانون مليونا ؟ ، لم يولد فى مصر الزعيم بعد الذى نلتف حوله و أفديه بروحى ، ما قيمة أن أوقع على ورقة لن يراها الا أنت ! ، البرادعى عندما أتى الى مصر بعث فىّ الأمل من جديد و لكنه كثير الترحال و لا يهتم بنا أصلا ، .....الخ

ظللت أستمع و أتابع بعينى ملامح العجز فى وجوه مازالت تحتفظ بشبابها ، و تذكرت قول الدكتور فاروق الباز عندما نعت هذا الجيل قائلا : "جيل الفشل" . ثم دار السجال بينهم أن لو حدث تغيير ديمقراطى شعبى بغير زعيم فى مصر ، ستبدأ المعارك بين الطوائف من الاخوان و السلفيون والأقباط والليبراليون و الفاسدون و المنتفعون و المستثمرون ، لذا لننتظر الزعيم.

انفصلت عن الجلسة و أنا فى مكانى و بدأت أحدث نفسى : مصريون ينتظرون الزعيم ، و مسلمون ينتظرون المهدى ، و مسيحيون ينتظرون المسيح . و رأيت أمام عيناى كتاب "سقوط الأندلس" ، تمر صفحاته الواحدة تلو الأخرى و تعجبت من وجه الشبه بين حال الأندلسيون فى زمانهم ، و حال المصريون الآن .

و فجأة رأيت طفل يجلس بجوارى ، و رأيت شعر يداى يعتليه الشيب بعض الشئ، ثم أمعنت النظر فى وجهه فكان يشبهنى كثيرا فى طفولتى ، و كان ممسكا فى يده بخريطة العالم ، فوضعها على رجلى و بدأت أشير له على البلدان و أقول له أسماؤها ، ثم و جدتنى أشير له على خريطة دولة و أقول له : كانت هنا دولة تسمى مصر ...

و انسدلت دمعة ساخنة على خدى ، فسمعته يهمس لى فى أذنى : أجل فلتبك كالنساء مُلكا ، لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال.


القاهرة
٢٠١٠/١٠/٢٣
٠١:٤٢ مساءا

هناك تعليق واحد:

  1. ايه يا عبدوا ... معقولة عيطت لما شفت الولد "احنا دلوقتي في القاع هتبكي علي ايه" الولد امل الطفل الصغير ده الامل واحنا الجيل الي هيسلم لجيلة ... لنستكمل طريقنا يا صديقي ولنبتعد عن عواجيز الفكر من الشباب و كبار السن ولنضع املنا فينا وفي تربيتنا للجيل القادم ... شد حيلك انت و جهزلنا جيل يقدر يشيل المهمة بعدنا

    خاال منصور

    ردحذف