لم تكن ملامحه تشبه ملامح فتى أحلامها، فودعته بابتسامة تعلم أنها الأخيرة بينهما.
لم تكن صلواتهم تشبه بعضها البعض، فكانت الحروب الطائفية.
لم تكن مصالحهم متشابهة، فكانت الحروب الأهلية.
لم تكن عروقهم متشابهة، فكانت الحروب العرقية.
لم تكن هيئتهم الرثة تشبه هيئتهم الغنية، فتم استعباد الأولين عند الآخرين.
لم تكن الأختان تشبهان بعضهما البعض، فكانت أول جريمة قتل لآدمي.
انها أزمة شبه، كل واحد منا يبحث عن من يشبهه، و أى اختلاف عنه يضع الآخر في دائرة أعدائه، و عقاب الأعداء يبدأ بالتجاهل و الابتعاد مرورا بالتربص و الشك و ينتهى بالقتل!
أزمة أول من وقع فيها كان ابليس، فعصى أمر ربه و لم يسجد لآدم و قال خلقتنى من نار و خلقته من طين، فطرد من رحمة الله.
أزمة نجى منها فقط الملائكة، بعد أن آمنوا أن الله يعلم ما لا يعلمون، و تقبلوا آدم خليفة لله و سجدوا له.
أزمة يكمن حلها في ستة حروف فقط و هم "القبول". نحتاج أن نقبل بعض كما نحن، نحتاج أن نكف عن تنصيب أنفسنا آلهة لنحاسب الأخرين، نحتاج أن نقر و نؤمن أن الله خلقنا شعوبا و قبائل لنتعارف و نتكامل لا نتقاتل و نتناحر، نحتاج أن نعرف أن فى اختلافنا رحمة و فى استنساخنا توقف و ضياع.
السطور التالية بها كلام خطير، لا أنصح أى متذبذب ايمانيا أو غير محصن بعلم أن يقرأها، فليس فيها ما يدعو للتفكير أو التدبر، و لكن فيها كثير مما يدعو للتشكك و الحيرة، هذه الكلمات ما هى الا فضفضة بصوت مسموع!
"لو كنت أعلم الغيب لأستكثرت من الخير و ما مسني الضر"
عيادة الروماتويد بالقصر العيني، تلك المكان الذى يختص بأعتى و أهلك أنواع المرض مثل (الروماتيزم و الروماتويد و الذئبة الحمراء...الخ)، ذلك المكان الذى نجلس فيه كأطباء و لكننا في حقيقة الأمر ما نحن الا مشخصو أمراض بلا علاج؛ فنحن لا نعرف شيئا عن أمراض المناعة سوي طريقة تشخيصها، و لا نكتب دواء سوي بعض المسكنات و مثبطات المناعة، التى غالبا و علي المدى الطويل تضر المريض أكثر مما تنفعه بكثير.
عيادات القصر العيني الجامعى لمن لا يعلم، فهى عيادات مجانية يتردد عليها أفقر أهل مصر. دخل علينا في يوم رجل يدعي محمد يبلغ من العمر 31 سنة، متزوج له 3 أبناء، كان يعمل مراقبا عاما للعمال فى هايبر ماركت، مصابا ب "Scleroderma"، و هو مرض مناعي -لاحظ أن الأطباء يتهمون المناعة بأى مرض لا يفقهون عنه شيئا- وأيضًا مزمن يؤدي إلى تليف الجلد (أو تصلبه) وحدوث تغيرات في الأوعية الدموية وتكوين أجسام مضادة ذاتية. فيصبح المريض كتمثال من الشمع يقف أمامك، حتي أنه من شدة التصاق الجلد بالهيكل لا يستطيع المريض أن يفتح فمه و يصاب أيضا بإلتصاقات فى المرئ تعيقه عن ابتلاع أي شئ!.هاجم هذا المرض محمد منذ عام و نصف العام تقريبا، و كان يتردد على طبيب للعظام طوال هذه الفترة لما يعانيه بوجع في مفاصله و حيث أن هذا الطبيب اما بلا ضمير أو بلا علم تماما، ظل يحاول علاجه طيلة هذه الفترة حتى وصل محمد الى تلك المرحلة فى المرض ثم نصحه الناس بالذهاب لمستشفي القصر العيني لعل يجد حلا فيها. هو الآن لا يقدر على العمل بسبب مرضه، فتخيل معي أنك تري انسانا متشمعا تماما، لا يوجد في جسده العلوى مفصلا واحدا قابلا للثنى أو الفرد.
حالة أخرى، الحاجة سنية 62 سنة، مصابة بتشكيلة من الأمراض، أولها الالتهاب المفصلي الروماتويدي، و ثانيها Acromegaly، أو مرض ضخامة الأطراف، و ثالثها عاقر، و رابعها مراحل بداية ألزهايمير، نعلم أن الحاجة سنية ستنزل يوما ما من بيتها لا تعلم الى أين هى ذاهبة و لن تدرى أين هو بيتها!
لماذا هؤلاء؟، ألم يكن كافي لهم فقرهم؟ لماذا يصاب فقير أنهكته الدنيا بالفقر بمرض أقل علاج له يساوى 250 جنيه؟؟، لماذا يصاب هذا بكل الابتلاءات و يصبح همه أن يموت حتي لا يرى دمعة احتياج ضالة تفر من عين احدي عياله و هو لا يقدر على شئ؟ لماذا تدور الحاجة سنية في سنها هذا على مراكز الدروس الخصوصية لتتحصل علي جزء من ثمن علاجها؟، لماذا يكون انسان آخر علي نفس الأرض يعيش في السويد مثلا حيث تطل فيلته على حديقة شاسعة تفصلها عن بحيرة زرقاء و كل همه في الدنيا أن شجرة التفاح الأخضر لم تطرح بعد؟!
ألسنا جميعا عيال الله؟ أليس هو من قال "لا يكلف الله نفسا الا وسعها"؟ أليس هو من وعد بأنه لا يظلم أحدا؟
نعم يوجد اله مقتنع بذلك تماما، و لكن أى عدل هذا فيما أراه و أتعامل معه يوميا؟
آلاف من الأسئلة يلجمنى بها شيطانى فى كثير من الأوقات، و بعد أن أهدأ أقول في نفسى "له فى ذلك حكم" ان ما أراه يشبه كثيرا ما رآه سيدنا موسى فى رحلته مع سيدنا الخضر، و أتخيل أن الله يقول لي "انك لن تستطيع معى صبرا"، فأجيبه بعزم "ستجدنى ان شئت صابرا و لا أعصى لك أمرا".
جاءنى أبى ليلة حادث قطار الصعيد الذى راح ضحيته 40 طفلا فى لمح البصر، بعينين مغرورقة فى الدموع، ثم جلس محتقنا جدا و بصوت متهدج سائلا اياى "أنت مكانه، ماذا كنت فاعلا؟!!"
منذ نعومة أظافرى و أصبحت لعبة "أنت مكانه" هى لعبتى المفضلة مع أبى، فدائما كلما آتى له شاكيا من أحد، يسألنى "أنت مكانه، ماذا ستفعل؟"، فباتت شكواي تصحبها حلا، و الا خرست و كتمتها بداخلى.
استغربت كثيرا شكله في هذه الحالة، فعودنى أنه كالصخرة فى أحلك الظروف، و ابتسامته لا تفارقه اذا كان مهموما، و يبدو أن مشاعر الأبوة كانت أقوي من قدرة احتماله، ظللت متمسمرا فى مكانى محدقا الى هذا الوجه غير المألوف، حتى قطع بصوته الصمت مكررا سؤاله بحدة أكثر.
أخذت نفسا عميقا، و علمت أنه لا مجال للخطأ، نبرة الصوت حادة، مشاعره محتقنة، فسؤال اليوم امتحانا و ليس فقط لعبة.
رددت بعد برهة قائلا: "أولا سأستشعر أن ضحايا القطار كلهم أولادى -و هذا كفيل لأخرج على الشاشة بدموع طبيعية-، سأقف ألقى كلمة مقتضبة معزيا فيها نفسى، و أهالى الضحايا، واعدا أن هذا الحادث سيتم العمل على تجنبه الى الأبد، و سيتم صرف الدية كاملة كتعويضا لأهالى الضحايا، مع اقالة رئيس الوزراء و وزير النقل و وزير الصحة و رئيس السكة الحديد و المحافظ و رئيس مجلس المدينة و تقديمهم للمحاكمة بتهمة الاهمال.
ثم سأطلب من العالم أجمع مساعدة مصر فى مصابها، فالتركة ثقيلة و الأرواح غالية، و لا أراكم الله مكروه فى عزيز لديكم.
بعدها سأطير الي منظمة الصحة العالمية و أطلب منها تشكيل وفد لمعاينة كفاءة جميع المستشفيات و ما هى المتطلبات الأساسية التى يجب أن تتوافر فى كل مستشفى و مستوصف و مساعدتنا و دعمنا فى توفيرها.
و منها الى الهند لأطلب منهم تشكيل لجنة من الخبراء لدراسة أوضاع منظومة الصحة لدينا و مساعدتنا على رفع مستواها و وضع خطة زمنية لذلك.
ثم الى الصين سأطلب منهم تشكيل لجنة من الخبراء لدراسة خطوط القطار لدينا و حالة السكة الحديد بأكملها و وضع خطتين زمنيتين واحدة قصيرة المدي لحماية المواطنين و تلافى الحوادث بعمل منظومة أوتوماتيكية للمزلقانات و التحويلات و أخرى طويلة المدى لرفع مستوى السكة الحديد الى المستوى العالمى الآدمى."
بدى لى أن الاجابة شابهت ما كان ينتظره منى، ثم سألنى و هل سيقرضك أحد و اقتصاد بلادك فى هذه الحالة؟
قلت له إن هذه الشعوب يقدرون قيمة الانسان و يكرمونه و يعملون ليل نهار على راحته، و مصابنا اليوم جلل و فى أطفال أبرياء، من الصعب أن تتنصل أى حكومة من مساعدتنا فالرأى العام هناك لن يرحمهم.
سكت طويلا ثم نظر الى و قال: "و الجبلة اللى عندنا ده مبيعملش كده ليه؟؟ ده مكلفش نفسه يقف و هو بيعزينا!!"
فرددت عليه قائلا: "أصله مبيعرفش!"....
ملحوظة: تمت كتابة تلك السطور فى ليلة ثانى حادث قطار فى عهد محمد مرسى العياط أول رئيس اخوانى منتخب، بعد مرور أقل من شهرين على حادث قطار أطفال الصعيد، و آتى الى أبي منذ قليل و قال "فعلا مبيعرفش!!"
"الدين أفيون الشعوب، و جهلها خير مسخر لها". هكذا وضعت خطة التمكين لجماعة الاخوان، فبعد أن أفل نجم أول خطيب مدني منتخب و تمت مهاجمته بل و وصلت الى مطاردته ليهرول هو و حرسه حفاة خارج المسجد، لاذين بالفرار من غضب الجماهير المحتشدة ضد سياسات مغفلة و حكومة غافلة؛ سرعان ما بدأ شهبندر التجار باستيراد شيوخ و خطباء من الخارج - حمدا لله أنه لم يستوردهم من تركيا مثل ملابسه و مراتبه - ليسيطروا على جماح هذا الشعب الذى كفر بمشروعهم النهضوى الوهمي،و كشف حقيقة شعارهم التجارى الكذوب "الاسلام هو الحل".
و أصبح يخرج علينا كل جمعة شيخ مستورد تارة من قطر و تارة السعودية، ليطنطن علينا متحدثا عن روعة مصر و أصالة شعبها و حضارة سبعة ألاف سنة و يعطينا بكل هدوء "لبوس النهضة المسكن"، ناصحا ايانا بالصبر و يعدنا أن الله سيخرج الاسلام من كبوته و سيسود المسلمين العالم و سيعلي شأننا من جديد!.
نسى هؤلاء الشيوخ أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، و أن لكل مجتهد نصيب، و أن الله العدل لن يقيم لنا قائمة بتواكلنا و تنطعنا فى مسؤلياتنا و أعمالنا. و أن تلك البلاد التى تكرهنا و تحيك لنا المكائد و المؤامرات ليل نهار، اذا غضت أبصارها عننا فلن نجد ما نأكله أو نستر به عوراتنا؛ نحن شعوب تعيش عالة على شعوب أخرى، نستورد منهم من الابرة للصاروخ حتى ما نصنعه عندنا و ننتجه فهو مصنع بماكيناتهم و منتج بمحاصيلهم و شتلاتهم. انهم ينصحوننا بالصبر، و نسوا أن الصبر يكون على تنفيذ الخطط، و ليس الصبر على المآسى و الهلاك، فالصبر على المذلة خسة!!. لم يخرج علينا شيخا فيهم و يقولها صريحة "بالعلم و المال وحدهما تبنى الأمم"، لم نجد فيهم الامبراطور الياباني الذي خرج على شعبه بعدما دكت بلاده تماما بالقنابل النووية ليقول أقصر خطبة في التاريخ و هي من ثلاث كلمات "لقد هُزمنا فى المعمل"، لم نجد منهم من يقول بضمير "خلاصكم فى اقرأ، و خلاصكم باقرأ، فاخلصوا للقراءة و اجتهدوا في العلم".
أنتم على شاكلة أجدادكم الشيوخ تنابلة السلاطين، هم من أضاعونا البارحة و أنتم تضيعوننا اليوم ...... أيتها المشايخ المستوردة مشايخ النهضول و التسكين بئس ايمانكم ان كنتم مؤمنين.
مرات أغوص فى أعماق الحزن و لا ينجينى الا "حضن"، و مرات يعتصرنى الاكتئاب و لا تنفع شوكولاتات العالم و لا عقاقير السيرتالين و يكون شفائى في "حضن"، و مرات أنجح بسبب "حضن"، و مرات أعبر من أجل "حضن"، و مرات أصبر لأنال "حضن"، و مرات أفشل لعدم وجود "حضن".....
هذه الضغطة الصادقة التي تعتصر عظامي و أكبر مساحة في جسدي مرسلة ومضات عصبية كثيرة لجهازي العصبي ليعلم مخي أنني ما زلت حيا، ذلك الاحساس الذي نبحث عنه فى أعتى لحظات الوحدة و يجعلنا فجأة مقبلين على الحياة من جديد. ضغطة واحدة صادقة تنقذ آلاف من الانتحار، ضغطة واحدة صادقة تدفع ألاف لاكمال طريقهم الى النجاح، ضغطة واحدة صادقة تشعرنا بالفرق بين الحياة و الموت.
اياكم أن تبخلوا على أحد بحضنكم اذا شعرتم أن فيه شفائه، و لكن اذا حضنتم فاحضنوا صادقين ....
فتحت لى "ليندا" الباب، خادمته البيلاروسية، ذات الشعر الذهبى و الوجه الوردى، و تنورتها الكحلية التى تكشف عن سيقانها البيضاء، و بابتسامة تجعلنى من فرط سحرها أنسى أين أنا فأبدأ أبحث عن جواز سفرى في جيوبى لأشهره حتى يؤذن لى بالدخول لتلك البلدة.
ثم كعادتها تطلق ضحكتها الموسيقية محاولة فك ربكتى و تجميع شتات ذهنى، فتأتى -كالعادة- طنط "ميرفت" على صوت ضحكتها، لترحب بى و تعاتبنى "يعنى عمرك ما وقفت معايا على الباب دقيقة!! ادخل بسرعة عشان هو مستنيك من بدرى".
أتقدم على مهل متلكئا فى انتظار أن تأتى معى "ليندا" لترشدنى الي طريق حجرة مكتبه الذى أحفظه عن ظهر قلب، لأسمع صوت "طنط ميرفت" زاعقا تقول: "لأ هو لسه فى أوضته"، حينها تقابلنا أنا و "ليندا"، فرمقتني بنظرة انفرجت لها أساريري، فضحكت قائلة "بطل شقاوة بتكسف"، تسمرت مكانى أعيد على أذنى ما قالته، ثم سألتها "انتى اتعلمتى عربى امتي؟!" ، فترد على "طنط ميرفت" التى تطلع من تحت الأرض كأنها المترجم الفوري لليندا: "هو أستاذك سايبها في حالها!! ده كل لما أجيب واحدة جديدة و من بلد جديدة في ظرف أسبوعين يخليهم من شبرا!!"، فابتسمت و سمعت صوت أستاذى "ابن المفقوع" ينادى من غرفته "تعالى يا عبد الله و هات ليندا معاك، ليندا بس".
فضحكت و طنط ميرفت تتمتم ببعض الكلمات بوجه ينم عن نوايا لارتكاب جريمة، و لكني أسرعت أنا و ليندا الخطى نحو غرفته و دفعت الباب، لنجد "ابن المفقوع" يقف بشعره الثلجى و وجهه الوردى و بيجامته القرمزية أمام السرير واضعا عليه الروب الأخضر الصيفى و الروب البنى الشتوى -اللذان لا يفارقناه طوال موسمهما- سألنى "طيب احنا حاليا صيف ولا شتاء؟"، فردت ليندا في دلع: "لسه الأخضر"، فرمقها بنظرته الدونجوانية قائلا "يا بت خفى المسائل لتسمعك، قلتلك اصبرى على ما تنزل"، و على الفور أجد "طنط ميرفت" ترد "انسي يا ***** ٢٧ سنة مسيبتكش فيهم يوم لوحدك و لحد ما تموت هفضل قعدالك"، فيقول مازحا "مش ممكن ربنا يسامحنى و يخليكي تسبقى انتي؟؟"، قتجاوبه "انسى ده هيسيبني عشان أفضل محافظة عليك و واخدة بالي منك". فأردف قائلا" طيب خدى المزة اللي خسارة في آل آدم كلهم الا أنا و سيبوني أقعد مع ابنى شوية ولا أقولكم احنا هنسيبلكم الأوضة و نروح المكتب".
ذهبت أنا و "ابن المفقوع" الى مكتبه، أجلسنى ثم قال بصوت عال "ليندا هاتي لعبد الله القطايف اللي عملتيها مع قهوته و هاتيلي انا قهوتي".
قلت له: "انت خليتها تعمل قطايف؟؟ بيلاروسيا؟!!".
فقال: "ياض هفضل أعلمك لحد امتى، أي ست تعرف تعمل أي حاجة، الرك على الراجل يعرف يدلع امتي و يؤمر امتي، اوعي تفتكر ان فيه ست متعرفش تعمل حاجة، بس تأكد ان فيه راجل مش عارف يساعد الست تكتشف قدراتها، بس انت أهم حاجة مترخيش أوي".
ابتسمت و نظرت للمكتبة التى دوما ما حلمت أن أقرأ كل ما فيها من كتب و أن أقتني في يوم من الأيام شبيهتها، قاطعنى قائلا: "شفت الخوجة عمل ايه انهارده؟" فقلت له "عمل ايه سيادة الاستبن"، فضحك قائلا "انهارده الثلاثاء مفيش صلاة و لا خطبة يبقي أكيد معملش حاجة!".
عودنى "ابن المفقوع" منذ أن توطدت علاقتنا و تبنانى فكريا أنه اذا بدأ فى الحديث أن أسكت تماما ولا أقاطعه الا للاستفسار، و هو يفعل ذلك أيضا معى.
بدأ حديثه قائلا "مشكلة الخوجة و جماعته يا اكسلانس، انهم بالضبط زى جماعة الأميش، و جماعة الأميش هم جماعات مسيحية على العهد القديم، يعيشون فى مناطق في ولاية كولومبيا و مناطق أخرى في أوروبا، لهم عادات غريبة، فمثلا هم يؤمنون أن التطور حرام و هو ضار على المجتمع، فلا يركبون السيارات، و لا يشاهدون التلفاز...الخ، و هو مجتمع قبيلى تماما يوقرون حاخامهم جدا و أمره مطاع مهما كان، و هم شعب محتشم، رجعى جدا في أفكاره، ليس له علاقة بالمجتمع من حوله منغلق تماما ثقافيا و اقتصاديا و اجتماعيا علي نفسه، و من عاداتهم عدم اكمال التعليم بعد المرحلة الاعدادية، فلا تجد فيهم طبيب ولا مهندس ولا حتي حامل دبلومة، واذا تمرد أحد شبابهم و هرب من مجتمع الأميش ليكمل تعليمه صار منبوذا من كل الأميشيون، حتي أهله ينبذونه و يتبرأون منه.
طبعا مع اختلاف العادات بين الأميش و الاخوان، لكن بينهم روابط كثيرة، و مشكلة خوجتنا الهمام أنه مهتم فقط برضاء أفراد جماعته عن أداؤه، فهو سفير عن الجماعة فى قصر الرئاسة و معين له طاقم من الجواسيس ليرفعوا لمكتب الارشاد و المرشد كل حركة و تنهيدة يفعلها أو يقولها، و الخوجة لا يعلم أن الانتخابات تكون بالديمقراطية الجماعية و لكن القرارات تكون بالشورى الديكتاتورية، و لا يصلح أن يحكم دولة "مكتب" و الخوجة هو اللي في وش المدفع، ثم أطلق تنهيدة طويلة و قال: "انا مش كاره الاخوان، بس كاره غبائهم، انا شديد الكره للغباء، عشان بغبائهم هيخلوا الناس تنزل و تطالب بعودة حكم العسكر عشان مفيش قوة غير الجيش هتقدر تزيحهم بس ساعتها الدم هيكون كتير، عشان شباب الاخوان دمهم رخيص علي أفاعي مكتب الارشاد، و القوة المدنية محتاجة تفهم ان البداية مش من الشارع، البداية من الأزهر، الأزهر لازم يقوم علي حيله، لازم "الخرة" اللى بيتحشى في عقول الناس من على المنابر و قنوات المخابرات البريطانية و الأمريكية ذات الطابع الوهابى السلفى يتنضف، لازم الأزهر اللي فتح أفريقيا و عمل النهضة في ماليزيا، هو اللي ينقذنا من اللي احنا داخلين عليه"
بأصابع صدأة أعود لكي أكتب من جديد، و بأفكار طال حبسها فاختمرت حتى باتت تسكرنى أعود لكى أكتب من جديد، و دوامة الدنيا التى لا تتوقف و تظل مستحوذة عليك مهما كنت عنيد. سأكتب لك الآن عن قصاقيص متناثرة و ما هى الا أفكار مبعثرة، مواضيع معنونة، و لكن غير مفسرة، من الممكن أن تعتبرها كحدوتة ليل، و لكن هل ستعجبك؟؟؟ سنرى .....
أنا الذى ..... صرت الذى
أنا الذى آمنت يوما فى هذا الشعب و استسلمت أن سبب فشله و هوانه هو قياداته الباطشة الظالمة، أنا الذى قررت يوما أن أدخل الى عش الدبابير غير مكترثا كثيرا على سلامتى، أنا الذى اعتقدت يوما أن داخلنا طاهر و لكن من كثرة الظلم لا نستطيع أن نظهر الا الوجه الفاجر، أنا الذى مات فى حضنه شاب كان كل حلمه فقط أن يعيش. و بعد أن انتهى المهرجان و انفضت الهوجة و سرق الشيخ الفرحة من عيون الشباب، كفرت.... صرت كافرا بهذا الشعب بعد أن ارتأيت أن ما داخله خارجه، و أن هذا الإناء لم يكن ينضح الا بما فيه، بل بالعكس كان ملجما بعض الشئ، و لكن الآن أصبح كالقيح المتفجر كلما وسعت له الفتحة كلما فار الصديد خارجا....
الشارع لا يصلح للتشريع
أنثروبولوجيا أو علم الانسان..... هجرت الكتب السياسية بعد صدمتى مما وصلنا اليه. لأحاول أن أجمع أشتاتى و أنا أبحث لماذا حدث هكذا؟ و لأحاول أن أفهم و أتفهم طبيعة و تركيبة الانسان المصرى الغريب المريب "بالنسبة لى". لا أحد يستطيع أن ينكر حالة الانفلات الأخلاقى الذى أصبحنا نعانى منها بشكل مفرط، و كأن الغوغائية و البلطجة يجريان فى عروق المصرى مجرى الدم!!، أصبح بيتيِّ شعر هشام الجخ خير ما يصفان حالنا الآن فقد قال عنا "شعب غرقان فى النطاعة.... كل شئ بقى ريحته نطاعة"، و أتوقع أن على ساقية الصاوى أن تسمي تلك الأعوام التى نمر بها "أعوام الاستنطاع". فتجد مثلا ظاهرة "سايس العربيات" منتشرة تعيد على أذهاننا "عصر الحرافيش" و عادت شوارع العاصمة الى قانون الحارات، فعلى كل من يقود سيارة أن يدفع "إتاوة" ليصف سيارته في مكان هو يمتلكه!!. و ظاهرة "نصبة الشاى" التى باتت منتشرة عند كل ناصية و كل فتحة دوران للخلف، و كأنهم يبيعون "مياه المحاياة"، و كل شغلتهم الأساسية فى الأصل هى نشر الفيروسات بعنف و توسيخ المكان الذى يجلسون فيه. ناهيك عن الأكثر شراسة و هم محتلو الكبارى و كورنيش النيل، فكل واحد منهم رزقه الله بخمسة أو عشرة كراسى بلاستيكية و "بابور شاى" أو "حمص الشام"، و لا يحق لك أن تقف فى سلام أو تسبح فى خيالك في هدوء، فعليك أولا أن تدفع "مرغما و صاغرا" و تبتاع منه أى شئ و الا "شوفلك حتة تانية اقف فيها ده مكان أكل عيش". هذا غير العطلات الرسمية التى تحولت الى أيام رسمية للتحرش الجماعى بكل خسة و دناوة، و يعلق صديقى الكاتب الجميل حمور زيادة على هذا الخلل و يقول "من عجائب الأمور أن الرجل الذي تستفزه أنثى ترتدي زي خليع فلا يستطيع ان يتحكم في نفسه ويتحرش بها، نفس هذا الرجل ستستفزه نفس الأنثى بنفس الزي الخليع لكنه يستطيع أن يتحكم في نفسه لو كانت تمشي مع رجل ضخم الجثة منتفخ العضلات!! سبحان الله". و سائقى الميكروباصات و الاتوبيسات الخاصة الذين يشعرون أن الشوارع ملكا لهم فكل مكان يصلح أن يكون موقفا، و كل الاتجاهات مسموح لهم أن يسيروا فيها، و اذا اعترضت يكون رد السائق: "ما تنجز يا برنس ورانا أشغال!!"، و المضحك المبكى هو هذا المشهد عندما ترى كل الجالسين بجوار نافذة فى هذا الأوتوبيس المخالف خارجين من النوافذ مرددين نفس جملة السائق فى أداء كورالى رائع في غاية النشاز. و بالتأكيد أنصحك اذا قابلت رجلا من رجال الشرطة صدفة فى الطريق، اذهب على الفور و خذ لك صورة بجانبه لأنهم أصبحوا و لله الحمد كدبابات الجيش ينزلون الى الشارع ليس لتأمينه بل ليلتقط المارة و المواطنون "الشرفاء" الصور معهم.
هذا هو الشارع، و هو الوحيد المنوط بتشريع دستوره، فكل ما يحدث الآن فى اللجنة التأسيسية للدستور لا يعبر عن الشارع فى شئ. ففى لجنة الدستور يتقاتلون على وضع كلمة "مبادئ" فبل كلمة الشريعة أم حذفها، و الشارع يتقاتل على "بروتين" السبكى فى دور العرض و السينمات فهو الوحيد الذى أدخل تجارة اللحم الى السينما دون أي اعتراض من جهاز حماية المستهلك أو الحجر الصحى. فإذا آتينا بالشارع الحقيقى و تركنا له حق التشريع، ستكون المادة الأولى "النطاعة كنز لا يفنى"، و المادة الثانية "كل مواطن له الحق فى أخذ راتب شهرى ليعيش به كملك دون أى واجبات عليه" و المادة الثالثة "كل النساء عاهرات و لى كمواطن حق التحرش بهن الا أمى و أختى و زوجتى فهن الوحيدات المحترمات".....الخ
اذا أردنا حقا أن نكتب دستورا يعبر فيه الشارع عن شريعته بحق، فمن الأولى أن نبدأ بتربية الشارع، فكل ما نحتاج اليه الأن هو فقط اعلان دستورى مؤقت يحدد لنا فقط بعض صلاحيات الرئيس و علاقة السلطات ببعضها البعض.
ما نحن فى أمس الحاجة اليه الآن هو "الحلم"، يجب أن نخلق الحلم لأن على قدر سمو أهدافنا سترتقى أخلاقنا و معاملاتنا، فالحلم هو الذى حول ماليزيا من حقل لدولة رائعة، و هو الذى حول الهند من الفقر لرابع أقوى دول العالم فى الرعاية الصحية و أولى دول العالم فى انتاج البرمجيات و هو الذي حول اندونيسيا من دولة قبائل متناحرة الى دولة صناعية رائدة و هو الذى جعل فيها نسبة الأمية أقل من 4%!!!
الله .. الحلم .. الوطن
قبضة الأزهر
أصبحت خطبة الجمعة هم ثقيل على قلبى كل أسبوع، فمضطر أن أجلس لأستمع لدروس عفي عليها الزمن و مللتها من كثرة ما سمعتها، و كأن هذا الدين كله كتابان "جيب" صغيران. و حتى يصبح الدور محبوكا يبدأ الخطيب فى الصراخ فينا و تهديدنا و وعيدنا بأن النار حق و أننا جميعا مدركيها لأننا أصلا "منستهلش نخش الجنة" و يحثنا على مراجعة أنفسنا و أننا "شووووووف عملت اييييييه، شوووووووف أكيد انت عارف أحسن مني"!!!. فبدأت أتساءل لماذا يتركنا الأزهر هكذا، لماذا لا تكون هنا لجنة مسؤولة عن خطبة الجمعة و يكون فيها عدد من الشيوخ العلماء فعلا و بحق، و يكون كل شيخ مسؤول عن حى أو منطقة، و يكون عليه ارسال خطبة الجمعة للعدد المسؤول عنه من المساجد، و تكون وظيفة خطيب المسجد فقط هى القراءة من الورق دون تزويد شئ أو انتقاص شئ، هذا سيفيد في خلق حراك فكرى حول موضوع الخطبة بين أهالي كل منطقة، و أظن أن هذا سيكون علاجا فعالا لهذه السطحية المفروضة علينا كل جمعة!!
ديموقراطية الكنيسة
لم أرى عرسا ديمقراطيا بحق كهذا العرس الرائع الذى شاهدناه جميعا فى اختيار بطريرك الكنيسة الأرثوذوكسية الجديد، عدد محدود من العلماء له حق الانتخاب، ليصعد الثلاثة الحاصلين على أعلى الأصوات للهيكلة النهائية، فيتقدم طفل صغير لم يتعد الأربع سنوات ليسحب ورقة عليها اسم واحد، مستبشرين جميعا أن ذلك كان اختيار الله.
ما المانع أن يتم تطبيق تلك التجربة في عملية اختيار القادة في جميع المراكز، ما المعنى أن يشارك فى تحديد مصير البلاد و العباد من يجهل أصلا كيفية تحديد مصيره أو تغييره؟!! ما المنطق أن يتساوى صوت واحد عكف على الدراسة و الاجتهاد مع واحد كل بطولته أن معه بطاقة رقم قومي!!
قل هل يستوى الذين يعلمون و الذين لا يعلمون انما يتذكر أولو الألباب "الزمر:9"
الرئيس الاستبن
لم يستطع الرئيس المنتخب محمد مرسى أن يرتق و ينسينا بأفعاله -و ليس بخطبه الحنجورية- أنه كان -و ما زال- دوبليرا أو استبنا أو بديلا عن خيرت الشاطر، فهو رجل طيب و عفوي يمكن أن نقبله كوزيرا للمرافق أو نائب مجلس شعب و لكن كواجهة للشعب و ممثلا عنه في المحافل الدولية، فهو للأسف "فضيحة" و ليس له "حضور" على الاطلاق، أو كما يقول عليه أحد أحبائي "ما شاء الله الراجل ده لو انصراف عالي أوي"!!.
كانت مثلا من قرارات حكومة القنديل في عهد المرسى اغلاق المحلات في العاشرة مساءا، هذا قرار جميل و أنا من المؤيدين له جدا، و لكن فى فرنسا و ليس هنا. فأنت يا سيدى اذا كنت استعنت بأحد خبراء العلوم النفسية و الاجتماعية، أتوقع أنهم كانوا سيقولون لك أن مواعيد غلق المحلات تأتى كرد فعل و ليس فعل. بمعني أننى اذا أردت أن أغلق المحلات حتى في الثامنة مساءا، فكل ما على فعله هو تبدير مواعيد العمل في البلاد فتصبح من الساعة السادسة صباحا علي سبيل المثال، حينها سيضطر المواطنون أن يقبعوا في منازلهم من الساعة التاسعة حتي يستطيعوا أن يأتوا في مواعيدهم، و حينها سنجد أن المحلات تغلق بطريقة ردة فعلية لعدم وجود زبائن!!.
لن أتحدث كثيرا عن سوء ادارة البلاد حاليا و لا قدرة الرئيس الفذة الأسطورية فى الصلاة كل جمعة فى مكان ما مصطحبا معه جيشه الجرار، فسيناء خير شاهد و دليل على ذلك، و أخشي أن يأتى يوما نبكي عليها كالنساء لأننا لم نستطع أن نحافظ عليها كالرجال...