الخميس، 12 يناير 2012

عام على الحضن

السبت ٢٩ يناير ٢٠١١، 
 شارع الشيخ ريحان، محيط وزارة الداخلية المصرية

شقشق فجر يوم جديد، بعد أن اجتاز الثوار حاجز الخوف من الموت و اقتحموا ميدان التحرير، معلنين انهاء عصر الظلم و الظلام، ٢١ ساعة و لم تزل المعركة دائرة على أشدها علي خطوط العدو. ثوار لا يملكون الا الإيمان و الهتاف، و طغاة تمدهم سيارات الاسعاف كل ربع ساعة بأسلحة و ذخيرة.
أقف تارة أفكر و تارة أضمض جراح من يصابون و تارة أهتف و تارة ... و تارة.....، مزيج من الحالات تجتاحني و أنا أخوض تلك التجربة التى لم تكن حتي لتخطر على بال بشر.

هدأ الميدان قليلا و تراجع جنود هامان الى الشوارع المؤدية الى وزارة الداخلية، ثم هدأتالأجواء تماما بعد برهة من الوقت، و بعد أن أخذت قسطا من الراحة، توجهت نحو شارع الشيخ ريحان لأقف على أخر مستجدات الموقف.
شارع محمد محمود لم يكن ساحة معركة فحسب و لكن كان منظره أن قذائف ثقيلة متعددة سقطت عليه. فواجهات المحال مهشمة و الأسفلت محترق، و دخان يصعد من أماكن كثيرة و متفرقة، و الهواء مشبع بالغاز المسيل للدموع.
 وصلت الي مقصدى، فوجدت شباب واقف يهتف و آخرين مستلقين على ظهورهم في الشارع و علي الأرصفة من شدة الجهد و الاعياء و آخرين يحاولون اسعافهم. باشرت معهم مهمتى الأساسية كطبيب و بدأت فى انعاش الواحد تلو الآخر، مضى الوقت هادئا و لم يتبقي من المصابين الا اثنين - كما أتذكر.

فجأة و بلا أى مقدمات و جدت مجموعة كبيرة من الشباب يهرولون علينا من أمام مبنى الوزارة فى حالة من الجنون و الفزع !، ثبت فى مكانى مسندا ظهرى الى الجدار أتساءل ماذا يحدث ؟؟، لم أسمع أى صوت اطلاق نار أو قنابل، و لم يتبقى أى عسكرى فى الشارع حتى تكون هناك مواجهات !! ، وجدت فتاة تمر بجوارى مسرعة ثم توقفت و عادت صارخة فى وجهى "بقولك اجرى ، اجرى بيضربونا بقناصة"، "قناصة" لمعت عينتاى متسائلا "احنا وصلنا للقنص ؟؟، ايه التخريف ده؟!"، و لم أكمل الجملة حتى وجدتها ممددة يداها نحو كوفيتي لتجرنى منها حتى أركض.

بدأت فعلا بالركض معها، و مازلت لا أستوعب هل كلامها صدق أم هى حالة من حالات الفزع الزائد. سمعت صوت يأتى من خلفى كشئ يرتطم بشدة على الأرض، فنظرت فوجدت شابا سقط بالفعل على وجهه، فوقفت ، فنظرت تلك الفتاة الىّ صوب عينيّ و قبل أن تنطق ببنت شفه صرخت فى وجهها "مش هسيبه اجرى انتى ، مش هسيبه اجرى قلتلك"، عادت الفتاة للركوض و سرت وحدى عكس تيار البشر المتدافع حتى وصلت اليه، و جدته يتألم بشدة، و كان يرتدى بلوڤرا أسودا، فلم يظهر عليه أي علامات نزيف، لم أستطع اسعافه فى المكان من الزحام و لم أستطع أن أوقف أحدا من الراكضين من شدة فزعهم و تدافعهم، ظللت أحاول حتى حملته محتضنه في صدرى، و بدأت أحاول السير بظهرى، حينها كنا أنا و هو الوحيدون فى الشارع و لكن ساعدتنى قلة حجمه بالنسبة الىّ من السير بسرعة بضع الشئ.
حاولت أن أخفف من ألمه و أنا حامله فهدأ و ابتسم الىّ، و كنت كلما نظرت فى وجهه رأيته ناظرا الىّ بنفس الابتسامة، كأنما يحاول أن يخفف عنّى أو يشكرنى، وصلت الى شارع جانبى بجوار بقالة "القواسمى" فوضعته على الرصيف و قلت له "ها يا عم ايه اللي بيوجعك ؟، أدينا وصلنا" فلم يرد عليّ، فتفحصت وجهه وجدته مازال مبتسما اليّ، فابتسمت و قلت له "انطق بقي خلصنى ورايا مصابين تانيين غيرك" فلم يرد علىّ الا بابتسامته ذاتها، مسكت بيده لأفحص نبضه، فلم أجد، و كذلك رقبته، كشفت صدره لأستمع لقلبه مباشرة، اذ بى أفاجأ بفتحة فى منتصف صدره، قلبته على ظهره فوجدت فتحة مقابلة لها.
لم أصدق، و انتابنى حينها صدمة هيستيرية فانقضت عليه بكلتا يداى ممسكا برقبته صارخا فى وجهه "متموتش مننى، بقولك متموتش مننى، احنا وصلنا خلاص" و استمريت في الصراخ حتى هرول علينا الناس يحاولون سحبى من فوقه و تهدأتى. جلست بجواره على الرصيف أبكى، ثم أتت سيارة اسعاف حملته بداخلها و لم أعرف حتى اسمه الى الآن !!

عام على الحضن الذى حملنى أمانة دم و ثأر فى رقبتى موقعا عليها بابتسامة، عام مضى كلما تذكرت هذا المشهد تنفجر عيناى بالدموع دون سابق انذار، عام على الحضن الذى جعلنى أخشى الموت حتى لا أقابل صاحبه من غير أن أكون أعدت له حقه، عام على الحضن الذى تمنيت أن أستشهد بجوار صاحبه قبل أن يحملنى ذلك العهد. عام مر دون أن يأتى حقه أو حق أحد في تلك الضيعة التى نعيش فيها، و يا ترى كم عام سيمر علينا بنفس الحال؟!!
عام على حضن ليتني ما احتضنته !!!

عبدالله شلبى 
الخميس ١٢ يناير ٢٠١٢
٠٧:٤٠ مساءا

الجمعة، 2 ديسمبر 2011

فاصل مع التفاؤل

"الثورة مستمرة، مغيرة و فاعلة". هكذا جاءت نتيجة المرحلة الأولي للانتخابات البرلمانية، التى باتت أروع و أقوي انتخابات تعرفها مصر منذ أن عرفنا الانتخابات أصلا.

جاءت الانتخابات لأول مرة في التاريخ الحديث تبشر أننا سنرى تمثيلا حقيقيا و واقعيا للشارع المصرى فى البرلمان. و هذا إن دل على شئ يدل على أننا فى غضون عقد من الزمان سنصبح مجتمعا حقيقيا متناغما مما يؤهله للتقدم.
سأوضح كلامى: لقد كانت المشكلة الأصعب فى مصر، أننا كنا نعيش مثل الجزر المتفرقة فى النهر الواحد؛ و كل جزيرة تحوي على سكان ذو مرجعية فكرية معينة، و توحدهم طريقة التفكير و آلية التنفيذ؛ و لكن كل جزيرة تخشى و ترتعد من أهل الجزيرة المجاورة. فالإخوان يخشون الليبراليين و العكس صحيح، و الاثنان يخشون السلفيين و العكس أيضا صحيح و هكذا مع كل جزيرة لها معتقدات معينة حتي تلك الجزيرة التي تسمي ب جزيرة "عشاق الاستقرار". و كان ذلك هو مخطط مبارك ليستحوذ على الحكم لوحده، فصرنا فزاعات لبعضنا البعض، حتى عندما ثورنا عليه و خلعناه من الحكم ارتمينا في أحضان مجلسه العسكري خشية أن يحكمنا أي من سكان الجزر الأخرى.

هذا العرس الديمقراطى الذى تشهده مصر حاليا، سيخلق لنا المساحة التى تتصارع فيها كل تلك التيارات الفكرية المختلفة و حينها نطبق تطوير نظرية داروين "البقاء للأصلح". و سيتاح لنا الفرصة أن نفهم و نستوعب أفكارنا المختلفة التى لا نعلم عنها غير قشرة القشور. فكثير لا يعرف عن فكر السلفيين الا تشددهم بالمظاهر و تعنتهم في مسائل النقاب و الجلباب، و آخرون لا يعرفون عن الليبراليين شئ غير أنهم دعاة للتتحرر من كل قيد حتي الملابس و الأخلاق، و كثيرون لا يعرفون عن الاخوان شئ الا أنهم سيحولون مصر لإيران جديدة. و لكن هذا التصارع و التصادم الفكرى سينتج عنه مجتمع يعي و يستوعب جميع طوائفه، و سيفرز أيضا أفكار جديدة توحدنا و تجمعنا و تعطينا الفرصة لتجديد و تعديل أفكارنا، و بذلك سيزيد التوافق و يزول الخوف من الاختلاف.

ما يسعدنى أيضا أننا الآن، بدأنا فى تضييق الخناق على المجلس العسكرى، فشرعنا نلاعبه سياسة و ثورة في آن واحد، و إن أتممنا خطواتنا هكذا لن يجد أمامه مفر ليسلم السلطة و يصبح كأى دولة حرة ديمقراطية متقدمة، ما هو الا شريك في القرارات الاستراتيجية و ليس برقيب أو بحاكم خلف الأستار. و لكن علينا ألا نفقد أى ذراع لنا و على الثورة أن تستمر فى الشارع و السياسة فى البرلمان، و تذكروا دوما أن يد واحدة لا تصفق !!!

عبدالله شلبى
الجمعة ٢ ديسمبر ٢٠١١
٦:٥٤ مساءا

الخميس، 10 نوفمبر 2011

غثيان من الهذيان

أولا أبدى اعتذارى لنفسى أولا ثم لقارئي العزيز، لانقطاعى المفاجئ عن الكتابة رغم ذلك السيل من الرسائل التي وصلتني. لكن كانت الأحداث متعاقبة و الحمدلله كانت معظمها -ان لم تكن جميعها- تثير القلق و الحزن. و لأنك ان كنت لا تعلم فتلك مصيبة، و ان كنت نعلم فالمصيبة أكبر، فكانت دوما مصائب سوء ادارة المجلس العسكرى تهطل على لتلكمني و تقيدنى حتى عن الصراخ بينى و بين نفسى. اليوم سستكون تلك التدوينة هي تجميعة لتدوينات قصيرة، مواضيع تشغلنى و تحتل جزء كبير من تفكيرى، فاعذرنى ان أطلت عليك :) ..

١- الحمل الكاذب:
مر على ما أسموها الثورة المصرية ١٠ أشهر الآن، نعم فما وجه الغرابة ؟ هم أسموها بالثورة ، و لكنها في حقيقة الأمر انتفاضة شعبية أو فورة، لقد وضحت تلك الكلمات فى أكثر من لقاء، و قلت أن الثورة تقوم بأهداف واضحة المعالم تغير كل شئ بخطوات ثابتة و قيادة ناجحة، لكن الانتفاضات تقوم متأججة بغضب الجماهير لتسقط طاغية ما ثم تهدأ و تعود لبيوتها مقتنعة بانجازها.
لذلك لم و لن تولد لنا مصر جديدة لأن الشعب حتي هذه اللحظة لم يقم بثورة و لكنه فقط نفّسَ عن غضبه و انتفض.

٢- العدالة و الندالة:
"ان الله يقيم الدولة العادلة و لو كانت كافرة، و يهدم الدولة الظالمة و لو كانت مؤمنة". جملة حفظناها من يوم أن ولدنا، و لكننا نصر أن نطبق الشطر الثاني من الجملة. فإن من رواسخ العدل هى سرعة نصرة المظلوم و الاقتصاص من الجانى، و تلك هى أهم خطوة لدرء المفسدة عن المجتمع . و عندما و صف الله نفسه بالعدل اقترن ذلك الوصف بقوله فى الآية الكريمة "ان الله سريع الحساب". لكننا هنا فى مصر يموت الجانى و المجنى عليه و مازالت القضية أمام المحكمة لذا لا تجد أحد يعبأ حقا و لا يهتم بكلمة القانون، بل عندما تريد أن تظلم أحدا و تفلت بفعلتك تقول له بكل بجاحة "خلينا نخش قدام بعض فى المحاكم و وريني هتطول مني ايه؟!". و ذلك ما حدث فعلا عندما طالب الشعب أن يحاكم رؤوس النظام و قتلة الشهداء أمام المحكمة، فتم تأجيل القضية الي يوم القيامة ليحكم الله فيها و يعطى كل ذى حق حقه.
ثم طل علينا من جبعة العسكر ضيفة ثقيلة الظل لا تعرف المثل القائل "يا بخت من زار و غار"، ألا و هي المحاكم العسكرية.

الخميس، 6 أكتوبر 2011

ندوة فى النقل العام

قررت اليوم أن أترك سيارتى و أستقل أى وسيلة مواصلات، بعدما عانيت أمس من القيادة فى شوارع العاصمة و ظللت أقاتل أربع ساعات و ربع الساعة متوصلة لأصل الى وسط البلد و كان مكان اقلاعي السادس من أكتوبر.
كانت هذه المرة الأولي منذ شهور أن أستقل أي وسيلة مواصلات عامة، فغالبا حين أترك سيارتي أعتمد على قدماى كنوع من الرياضة و من السرعة أيضا.

بدأت رحلتي مقررا أن أستقل وسائل نقل جماعية، و يبدو أنني كنت مفتقد لهذا الشعب فعلا، فالشعب المصرى فى وسائل المواصلات من أكثر الشعوب اجتماعيا علي وجه الأرض، فلك أن تفتتح مع أى أحد حديث لا ينتهي الا بنزول أحد أطرافه.
صعدت الي أحد الأوتوبيسات العامة و لكن كان من نوع "المينى باص". كنت واضعا سماعات (الآى بود) فى أذناى و اكتفيت فقط بتفقد ملامح مَن حولى فى محاولة لقراءة وجوههم. كنت متأخرا جدا عن موعدى و كان الطريق لا يتحرك أصلا، فنزلت و استقللت قدماى من جديد حتى وصلت لمحطة المترو و لحقت بموعدى.
فى طريق العودة عاتبت نفسى قليلا كيف لم أستغل فرصة الزحام فى فتح حوارات و أحاديث و معرفة الى أين وصل التفكير فى الشارع المصرى، بدأت أعد نفسى لحوار مطول سأفتحه مع أول واحد سأقابله فى الأوتوبيس.

بالفعل صعدت لأول أوتوبيس قرأت عليه منطقتى و كان موديله جديد يحما رقم خط ٩٧٧، ثم ابتسمت لكل الركاب، فبدأت نظرات الاستغراب و الاستهجان تعلو وجوههم بعض الشئ، فما الذي يدعوك للابتسام ؟! طرق مقتظة ، جو ملئ بالعوادم، أوتوبيس مزدحم !!!
تمركزت فى منتصف الأوتوبيس بالضبط، ممسكا بالعمود، ثم قلت فى ثقة و صوت عالى بعض الشئ: "هانت هانت ، بكرة توحشنا الزحمة دى و تبقى ذكريات"، فوجدت حالة غريبة من الانتباه نحوى، و علامات الاستغراب و الاستهجان أضيف لهما ملامح أمل و تمنى؛ فأتبعتها بجملة أكثر وضوحا فى الصوت ناظرا فى أعين معظم من انتبهوا الىّ: "الصعب خلاص و شيلناه، و احنا حالفين لنخلى العالم كله يتمنى هو اللى يجى مصر و يتفرج على جمالها، مش احنا اللى يكون كل حلمنا نهاجرلهم". فأتى صوت من آخر الأوتوبيس يقول: "مالك واثق أوى كده من اللى بتقوله، قلتولنا اعملوا ثورة و عملنا و مفيش حاجة اتغيرت، ما ترحمونا بقى!!". عادت عيون تنظر نحوى منتظرة الرد و أخرى يئست فانطلقت تتفرج من الشبابيك. فقلت بصوت أعلى: "اللى مخليني واثق أوى كده اني واثق فيكم انتم، قلنالكم اعملوا ثورة و شيلوا الديكتاتور، عملتوها و قدرتوا مع ان زمان كان ده من رابع المستحيلات، و لما هنيجي نقولكم يلا نبنيها برضه هتبنوها مع انكم فاكرين انه من رابع المستحيلات ان احنا نقدر" .

رأيت الابتسامات تعلو بعض الوجوه، و أخرى لمحت الأعين تلمع، فضمنت أنني أسير على الدرب الصحيح، ثم أتت سيدة فى العقد الرابع من عمرها، تزاحم الوقوف حتى وصلت الى، و قالت "حلو، ما عشان نبنيها، الشباب بقى لازم تهدى عشان البلد تستقر" فنظرت لها مبتسما و قلت" لو البلد استقرت يبقى مفيش بناء خلاص عشان احنا يدوب هدمناها، فهنستقر فى مرحلة الهدم" فسألنى شيخ بجوارى "و انت فاكر المجلس هيسيبك تبنيها على كيفك" فجاوبته "طبعا لأ، عشان دى بلدنا كلنا مش بلدى أنا لوحدى، لكن المجلس ميقدرش يمنعنا ان احنا نبنيها على مزاجنا كلنا". فقام شاب و قال "مجلس ايه يا اخواننا اللي بتتكلموا عنه، هو مبارك كان هيسلمه السلطة، غير لو عارف انه هيمسك البلد زي ما هو كان عايز بالظبط، و بعدين طنطاوى ده مش صاحبه من أربعين سنة، يعني كربونة منه فى كل حاجة".

قال موظف التذاكر: "بص يا دكتور - لا تسألني من أين يعلمون مهنتي!!! - أنا مش هخبى عليك أنا أول ما قالوا فيه ثورة يوم ٢٥ قلت الشباب اتهبل، و لما سمعت عن يوم ٢٨ قلت لأ ده وباء هبل و ماشى فى الشعب، لكن لما لقيت الموضوع قالب بجد و ان الناس حالفة تاخد حقها اتشجعت و نزلت. فقاطعته "و ايه اللى نزلك" فقال " لما يبقى مرتبى ٦٨٦ جنيه و مرتب مراتي ٦٠٠ جنيه و عندى عيلين، و مضطر أخش جمعيات بتلت المرتب عشان أكمل الشهر و منشحتش، و عايشين يدوب على قد الحال جدا و أسمع ان فلوسنا العصابة نهباها كلها، يبقي لازم أنزل عشان رزق ولادى، يا دكتور لو احنا دلوقتي عايشين، عيالنا مش هيلاقوا اللي يعيشوا بيه أصلا. سَكتُ قليلا أتأمل وجوه الركاب، فوجدتها سابحة سارحة في كلام الرجل. ثم قام رجل عجوز من مقعده، و جذبني فى آخر الأوتوبيس و حاول تنظيم الناس ليقفوا جميعا فى مواجهتي.

لم أكن أفهم ماذا يريد أو ما الذى يقدم عليه بالضبط، و لكن وجدت نفسى في موقف لا أحسد عليه، عيون الركاب جميعا مصوبة نحوى حتي السائق ينظر الىّ فى المرآة، و كلهم ينتظرون أن أفتح فمي بالكلام. مررت على وجوههم لأتفحصهم سريعا من جديد، ثم انطلقت صارخا فيهم فجأة: "انتوا واثقين ان احنا نقدر نكون أحسن دولة ولا لأ ؟؟ " فوجدت الصمت يخيم عليهم و تخشبوا كأن على رؤوسهم الطير. فزعقت مرة أخرى "عايز اجابة واثقين ولا أنزل ؟!" فبدأت أسمع تمتمات "ان شاء الله ، أملنا فى ربنا كبير، آه واثقين ، يا معين .... الخ" ثم صاح واحد من أول الأوتوبيس "يا باشا قولنا نعمل ايه، احنا عاوزين حلول احنا شبعنا كلام" فقلت له في حزم "أنتم الحلول، لو فضلنا مستنين زعيم أو نبى أو واحد يأخد بايدينا هنفضل طول عمرنا زى ما احنا، ايه المشكلة ان احنا اللى نحل كل مشاكلنا و هنروح بعيد ليه احنا بقالنا تلت ساعة واقفين مكاننا متحركناش، مين فينا منفسوش تتحل أزمة المرور اللى مطلعة عينينا كل يوم، قولولى نحلها ازاى؟"

وجدت حالة غريبة و هالة أغرب على وجوههم الكل كان ينظر لبعضه البعض و يفكر في استغراب ثم نطقت بنت قائلة "أنا ممكن أخد من بيتنا لغاية الجامعة مشي و معظم مشاويري ممكن أروحها مشى، بس مفيش رصيف أمشي عليه"
و قال شاب آخر "أنا كان طول عمرى نفسى ألف شوارع مصر بالعجلة و لكن زى ما انتوا شايفين مفيش مكان أصلا أعرف أمشى فيه بيها". قالت سيدة "يعني ايه عربية الاسعاف اللي ورانا دي كل ده بتحاول توصل للعيان ده زمانه شبع موت". و قال رجل عجوز "ولاد ال *** بتوع الميكروباص لو يأخدولهم بس جنب و هم بيركّبوا أو بينزّلوا حد مكناش وقفنا لكن دول ماشيين كأنه شارع أبوهم". قال موظف التذاكر "دلوقتي حضرتك مبسوط عشان الأوتوبيس لسه جديد بس و الكراسى نضيفة، لكن تعالي شوف كمان شهرين تلاتة لما يُستخدم شوية الجلد بيتقطع من كتر الاستخدام، ليه متبقاش الكراسى كلها بلاستيك متين و خلاص ؟!" . قالت سيدة أخرى "أنا و جوزى عشنا فى السعودية فترة، الجو هناك قريب من هنا لكن كل الأوتوبيسات مكيفة، هنا الأوتوبيس بنركبه بالعافية و بيكون زحمة و حر، عذاب كل يوم لازم ندوقه، يرضي مين بس ده". تدخلت فى الحديث قائل "أنا كنت فى تركيا من شهرين، و علي فكرة هى مش فارقة كتير عن القاهرة نفس الشوارع الضيقة و العدد الكبير، لكن هناك فى ترماي واصل فى كل حتة ، و المواصلات هناك غالية شوية بس نضيفة جدا فمعظم الناس بتستغنى عن عربياتها و تركب المواصلات ، و كمان المترو و الترماى مفيش زحمة قدامهم فالوصول سريع".

اقترب مكان نزولى ، فقلت "شفتوا بقى احنا بنطلع كام حل واحنا مع بعض". فصاح أحدهم "لكن مين بيسمعنا من البهوات اللى فوق" فقلت له "معادش فيه بهوات فوق، و أى واحد فيهم مش عارف يحل مشاكلنا لازم نمشيه، احنا اللي فوق، دول مكانوش هيبقوا فوق لولانا، زى ما طلعناهم زى ما نقدر نشيلهم، دول بيشتغلوا عندنا و احنا اللي دافعين مرتباتهم من جيوبنا" فقال شاب "و الله احنا نقدر نكمل طول ما احنا بنشغل دماغنا كده، مجلس مين اللي يقدر علينا ده احنا نشيله لآخر لواء مش كفاية اللي عملينه فى جيشنا و ساكتينلهم ، فابتسمت و سألته " وانت عرفت منين" فضحك ساخرا و قال " أنا أخويا ضابط فى الجيش !!" . قام الرجل العجوز من مكانه ثانية و قال "يا ابني احنا بس محتاجين حد يعرفنا راسنا من رجلينا، حد يحسسنا ان دم الشباب دول مبيروحش هدر، فللأسف دمعت عيني و قلت له "أقسملك دمهم فى رقبتي" فزعقت السيدة بجوارى "لأ رقبتنا كلنا".

و نزلت بعدها في محطتى، بعد أن تعلمت أن أمتع شئ في الدنيا هو الالتحام مع الشعب، و أن هذا الشعب من المستحيل ان شاء الله أن تضييع ثورته.

عبدالله شلبى
الأربعاء ٥ أكتوبر ٢٠١١
٩:٣٠ مساءا













الجمعة، 30 سبتمبر 2011

الزعيموفيليا

أربعة مرات، تم تأجيل كتابة هذا المقال، فى كل مرة كنت حين أستجمع نقاط ما سأكتب عنه أصاب بارتفاع شديد فى ضغط الدم؛ لدرجة أننى فى المحاولة الأولى للكتابة و من شدة ارتفاع ضغط دمى، انطلقت الدماء من أنفى تتساقط علي لوحة المفاتيح فى مشهد غريب أوضح لى شدة تأثرى بالحدث.

جاء أردوغان الى مصر الثورة، و كان يعلم أن مصر الثورة تختلف كثيرا عن مصر التى عرفها العالم لعقود طويلة. فالشعب صنع ثورته، و قاتل و اقتنص كرامته و ها هو يوما بعد يوم يعلى و يثبت كلمته. أتى أردوغان مستشعرا رهبة و قدسية الميدان التى غيرت حتى رائحة الجو فى مصر الثورة. كنت فرحا لمجيئ واحد من صناع الحضارات الحديثة لمصرنا و هو يشعر بكبر هذا البلد و شعبه، و جعلنى أستشعر العزة رغم تأخرنا لسنوات عن تركيا.

جاء اليوم التى وطأت فيه قدمى أردوغان القاهرة، و بدأت الأنباء تأتينى صادمة كل ساعتين تقريبا. أولا اتصال من احدى الصديقات تسألنى هل مررت من على كوبرى أكتوبر اليوم؟ فتساءلت مستنكرا: و لماذا؟ فقالت لى أن هناك اعلانات ضخمة موضوعة عليه مرحبة بقدوم "الزعيم" رجب أردوغان !!، فقلت لها يمكن أن يكون ترحيب ديبلوماسى و لكن فرط العقد منهم بعض الشئ. ثم ما لبثت الا بضع ساعات حتى تناقلت الأخبار أن وفدا من جماعة الاخوان يستقبلون أردوغان فى المطار بالأعلام التركية و المصرية !!!! . بدأت أقول فى نفسى يبدو أن المازوخية فى هذه الجماعة أصبحت عقيدة أكثر من أنها مرض، فما الذى يجعلهم يتشدقون الى أن يكونوا أتباع و يبحثون عن زعيم فى وقت الشعب فيه هو الزعيم أصلا.
ساعات قليلة و كان موعد خطابه فى دار الأوبرا المصرية، و فى خطابه غلقت شوارع القاهرة من شدة الازدحام بسبب أشخاص يقفون أمام الأوبرا يهتفون بحياة أردوغان، و يتراقصون تحت الأعلام التركية. ثم جاءنى اتصال من أحد الحضور يسخر مما حدث عند دخول أردوغان القاعة، فقام فريق يكبر "الله أكبر و لله الحمد" و فريق آخر يهتف" بالروح و الدم نفديك يا أردوغان".

كل تلك الأنباء تتوالى على و شريط يوم ٢٨ يناير يمر أمام عينى، لقد نزلت و شاركت في هذه الثورة لأن لم يكن لها زعيم، نزلت لأؤكد أن الشعب هو الزعيم و هو السيد. هل كنت سأموت فى تلك اليوم من أجل شعب يتلذذ بالعبودية ؟!! ، هل تلك الرصاصة التى مرت بجوارى أمام قسم الأزبكية كادت أن تستقر فى جسدى من أجل أناس أسقطوا ديكتاتورا فذهبوا ليستعيروا زعيما من دولة أخرى؟! . ما أشبه اليوم بالبارحة؟ ، عندما ثار الشعب المصرى على خورشيد باشا ذلك الديكتاتور المتعجرف، ثم ذهب الأعيان و على رأسهم على مبارك ليبايعوا الألبانى محمد على باشا ليحكم مصر !!! فهل جينات العبودية نتوارثها هى الأخرى ؟!!

أرسل لى بعض الأصدقاء فى نفس اليوم - المصائب لا تأتى فرادي - أغنية تدعى "مطلوب زعيم" فاستمعت اليها أول مرة  فأعجبتنى الكلمات، ثم عدتها مرة أخرى فجن جنونى، و عندما رأيت عدد من شاهدوها و شاركوها لم أصدق تماما ... فكيف لشاب لم يبلغ من العمر ثلاثون عاما يخرج علينا ليغني طالبا زعيم!! ثم شباب من محتلف الأعمار يؤيدون الرأى و يشاركونه مطلبه !!!

أيها الشعب، عليك أن تعلم أنك الآن فى موقع يحسدك عليه كل الشعوب، أنت الآن أعلنت و تؤكد كل يوم أنك أنت الزعيم، نحن الآن أول دولة فى العالم بها ٨٠ مليون زعيم، لقد أبهرت العالم بدرجة وعيك و قوة ادراكك أن الشعب هو السيد و هو الحكم، و أن الشعب هو الفاعل و لن يكون مفعول به، فإياك أن ترتكن للراحة و الاستسهال و تُنصّب بيدك من يتحكم فى مصيرك و قوت يومك، اياك أن تطالب فى يوم بزعيم يستأسرك ليُصيّر مصالحك على هواه، و يغتر في نفسه و يعتقد أنه ملهم. كن أنت دوما فى الريادة و اجعل كل من فى الحكم يعملون وفق مخططاتك أنت و توجيهاتك لهم، فانهم فقط يديرون هذا الوطن الذي تملكه أنت، و أنهم جميعا يعملون من أجل راحتك و اسعادك، و إن لم يؤدوا واجبهم فاطردهم شر طردة غير أسفا على أى منهم.

أيها الشعب نحن الآن لا نحتاج الا لأن نرسم النظام الذى سنعيش به فى مصرنا الجديدة و لذلك مع كل احترامى لمؤلف أغنية "مطلوب زعيم" لقد أعدت كتابة الأغنية و لكن جعلت اسمها "مطلوب نظام"


مطلوب نظام … لشعب طول عمره عظيم
لشعب كان فاعل زمان لكنه هان … حتي إنه ثار
بإيدين كبار وإيدين صغار
مفعول بيه بيقسموه ويفرقوه
ويقطعو في عين اللي جابه واللي جاب أبوه
عشان يموت … أو ينتهي
مطلوب نظام … لشعب حكامه خانوه
وتوهوه وغيبوه واللي انتبه منه وفاق غموله عينه وكمموه
وسلموه في المعتقل … لكلاب جعانة يقطعوه
لكنه رغم القهر قام زأر وزام
وفي أسبوعين زلزل حصون الجلادين هد السجون
فوق راس جميع المفسدين
مطلوب نظام … يحمي الحقوق
يعدل ما بين الناس تمام زي الفاروق
ويكون حنين علي الفقير
وعلي اللي فاسد يفتري
يهدم علي دماغه الشقوق
ويعلقوه في المشنقة … أو يرفعوه علي راس خازوق
مطلوب نظام … ميقولش علي الخواف حكيم
ويكون كمان سمعه سليم يسمع لنبضة قلبنا
ويكون مكانه في وسطنا
ميكونش على قد القصور
والبعض منا للأسف ساكنين قبور
نشرب وناكل كلنا
و نقدر نحقق حلمنا
و ميضعش أبدا حقنا
يسمعلنا ويشور وياخد رأينا
وقت الخطر نتلم نحميه كلنا
ونضحي عشانه بعمرنا
مطلوب نظام … علي كرامتنا يكون أمين
ويكون جرئ ويكون شجاع مش إمعة وحتة بتاع
يعرف يقول للظلم لأ
 ولا يفرط يوم في حق
مطلوب نظام نقدر نحاسبه بالقانون
للاختصار … مطلوب وطن
عبدالله شلبى 
٣٠ سبتمبر ٢٠١١
٩:١٢ صباحا

الجمعة، 23 سبتمبر 2011

الشعب يريد الفنكوش

قررت أن أخرج الى الشرفة؛ فالضوضاء صاخبة، و لا أحد يطيق أن يتمهل ليستمع الآخر، الكل له أفكار بديعة و لكن دون أي استعداد أن تتكامل أفكاره و تندمج مع أفكار أى أحد. أصبحنا جميعنا كالماريونيت فى يدى المجلس، الذي أثبت أنه يجهل أصلا معني كلمة السياسة و أصبح يتمرس دور الجاهل فيصيح بعلو صوته يصدر قوانين هنا و فرمانات هناك، و الشعب ينظر اليه في ضجر و لكن يلعنه فى سره (صفات ما قبل ٢٥ يناير)، و أقلية يلعنونه فى وجهه جهارا نهارا بيانا (صفات ما قبل ٢٥ يناير)، و لكن نؤمن جميعا أن القطار غادر الحطة بالفعل و هذا فى حد ذاته بشرة خير، و لكن وجد فى طريقه تفريعة طرق فتوقف حتى ينتهي الركاب من شجارهم و يوحدون قرارهم أي طريق يسلكون.

بدأت في تلك الأجواء أن أستعيد الذكريات و التحضيرات الآخيرة التى نتج عنها تلك الشحنة الهائلة. فوجدت أننا فعلا قد خونّا هذا الشعب العظيم و نستاهل الآن ما نلقاه منه. لقد بتنا منذ ٢٠٠٨ فى شحن الشعب عبر وسائل الاعلام البديلة نحو احتياجاته الشخصية فكنا فى كل فيديو جديد يُرفع على موقع اليوتيوب يتم عرض كل ما نعاني منه من (زبالة، أزمة الخبز، أزمة الأنابيب، العشوائيات، وظلم الشرطة، و فقر الصعيد، و الفساد الادارى، و التوريث، البطالة، حادثى العبارة و قطار الصعيد، و البحث العلمى، .....الخ).

ثم ابتدينا الدعاية للحشد ليوم ٢٥ يناير بنفس تلك اللقطات و لكن انتهت الفيديوهات بشعار (عيش، حرية، عدالة اجتماعية) فوصلت الرسالة بأن كل متطلبات الشعب تتمثل في تلك الثلاث كلمات. فنزل من نزل من الشباب  مرددين جميعنا تلك الكلمات. ثم بعد الاعتداء على المتظاهرين فى منتصف الليل، تسارعت انتاج الفيديوهات بشكل ملحوظ و لكن كانت تنتهى بشعار جديد (الشعب يريد اسقاط النظام)؛ فربط الناس احتياجاتهم بهذا الشعار الجديد. فتدافع مئات الآلاف يهزون الجدران بذلك الهتاف يوم ٢٨ يناير. فاستمر مؤمن أن هذا الطلب يخفى وراء تحقيقه كل أماله و أحلامه فظل متمسكا بهذا الشعار - و لو أننى أكاد أن أجزم أن معنى كلمة "نظام" ظلت و تظل مطموسة على كثير منا مثلها مثل كلمة "الفنكوش" - و بعد أحداث يوم الأربعاء الدامى تم تطوير الشعار الى (الشعب يريد اسقاط الرئيس) فنقل الحالمون أحلامهم و أمالهم الى تلك البوابة الجديدة، و كانت لكثير أوضح و أسهل، و لذلك توالت المليونيات بعد هذا اليوم بأعداد أضخم بكثير، لأن فكرة اسقاط شخص واحد جالس على صندوق الكنوز زادتنا عزيمة و اصرارا. و قام الشعب فى الجمعة المباركة عليه ليخلع اللامبارك، وفعلها.

و انتظر بعدها تحقيق أحلامه و أماله بعد أن فعل كل ما طُلب منه بحذافيره. فأدخلنا المجلس المباركى في صراع الاستفتاء، فالتفتت النخبة الي الشعب ممتعضة تقول له في حزم، لا وقت لدينا لهذه المطالب الفئوية و الدنيوية، و لا صوت يعلو فوق صوت السياسيين !! ، و بدأ تسويق متطلبات الشعب من جديد وراء كلمة نعم أو كلمة لا. فربحت كلمة نعم ، و انتظر الشعب مجددا تحقق مطالبه، و لكن بلا جدوي !!!

توالت الأيام حتى كفر الشعب بكل متحدث بلفظ يدعى "الثورة"، لأنه فعل ما عليه و لم تخدمه تلك التى تدعى "ثورة" بأى شئ اللهم الا أنها أزادت على بلوانا بلوة الانفلات الأمنى. و يحدثنا هنا المحارب العبقرى "سون تزو" في كتابه "فن الحرب" قائلا: "اذا أردت أن تكسب جيشا كبيرا فعليك أن تجره الى المعارك الصغيرة التى تستطيع أن تربحها، لأن في ذلك تحفيزا لجنودك فترتفع عزيمتهم و اصرارهم، و انهاك لأعدائك فتحطم نفيستهم".

و هذا ما كان علينا فعله بالضبط؛ يجب أن نعيد حساباتنا، لقد أخرجنا الثورة من عقولنا الى الشوارع، علينا الآن أن ندخلها فى كل البيوت حتى ينزل من فيها اذا احتجنا اليهم، يجب أن يحصل هذا الشعب الآن على أى من مطالبه التى نزل من أجلها حتي يتذوق حلاوة ما صنع، يجب أن يرى كل مصري أن للثورة مغانم ليست فقط سياسية و لكن شخصية بحتة، لقد لعبنا علي مبدأ (الأنا) طوال ٤ سنوات يجب أن نبدأ في اشباع تلك (الأنا) الآن، و لو حتى بمطلب رفع القمامة من كل شبر على أرض مصر.

إن كلمة "النظام" معناها في المعجم اللغوي الشعبي مثلها مثل كلمة "الفنكوش"، و لسوء جهل النخبة السفسطائية السياسية، ظلوا يتعاركون أمام الكاميرات و يرددون، "نحن نريده فنكوشا اسلاميا" ، لا و كلا " الفنكوش سيكون قوميا عربيا"، "الفنكوش سيكون ليبراليا و نقسم على ذلك"،   "ألم يكفيكم فقر ٦٠ ٪ من الشعب؟؟!! اشتراكية الفنكوش واجبة و ثورتنا بنيت على ذلك". و الشعب ينظر لهم و يسأل، " هو الفنكوش ده لزمته ايه يا دكتور ؟؟، هو فيه فنكوش اسلامى يا شيخنا؟ ".

من وجهة نظرى البسيطة أن أمامنا الآن هدفان أساسيان:
١- أن نعمل جميعا على مطلب واحد يأخذه الشعب الآن من تلك المطالب التى ظللنا نرددها علي مسامعه، حتى نشعر جميعا بأن للثورة مغانم و مكتسبات فنظل جميعنا نحارب صفا واحدا و لا يحيد أحد عن الصف.
٢- يجب أن يُرسم هذا النظام الذى نود أن نعيش فيه من الألف الى الياء بكل تفصيلة فيه، و يتم شرحه و التسويق له سريعا حتى يترسخ فى أذهاننا جميعا، و يكون هذا هو طريقنا مهما تغيرت الحكومات و استولت علي المجالس الأحزاب، و يصبح الشعار الجديد (الشعب يريد هذا النظام)، فاذا وضح لنا الطريق فلن يَفرق زيد عن عبيد عن نطاط الحيط،  حينها سينزل المجلس صاغرا على رغبة الشعب، لأنه لن يستطيع أن يوقف جماح هذا الشعب و يعرقل طموحاته .

دعونا نجر الفنكوش القديم الي معارك صغيرة نربحها و نعيد شعبنا الينا و نعيد ثقتنا فى أنفسنا، فنحن مازلنا و سنظل بإذن الله قادرون على ذلك ......


لن يعيد لمصر شبابها الا شبابها

عبدالله شلبى
الجمعة ٢٣ سبتمبر ٢٠١١
٥:٥٨ مساءا

السبت، 10 سبتمبر 2011

٩/٩ بين النجاح و الاجتياح

٩ سبتمبر يوم جديد سيسجل فى تاريخ الثورة رغم أنف الحاقدين و المتآمرين ، يوم كلله الله بالنجاح و لكن به بعض الوعكات التى أراها من وجهة نظرى تعسير من الله حتى يفتح لنا بعدها يسرا و خيرا كثيرا، فهو الصادق حين قال "ان مع العسر يسرا..ان مع العسر يسرا" .

بدأ الحمدلله اليوم كما تم التنسيق له بالضبط، مسيرات تحشد الناس و توقظهم من سكونهم و لنوصل الثورة بهتافنا داخل بيوت الشعب بالغصب، و حتى لا نغلق كعادتنا على أنفسنا الميدان و نصبح كسرب من الغربان ينعق و لا نسمع الا أنفسنا. انطلقت المسيرات من كل حدب و صوب حاشدة للناس و مفعمة بالأمل، حتي شعرنا أن الأسفلت تحت أقدامنا يرقص فرحانا مستعيدا ذكريات أحداث يناير العظيمة، لقد عدنا للشوارع التى أوصلتنا للميدان و عادت الشوارع لنا.

بدى الميدان فى أول اليوم كخدعة لكل الناظرين اليه، لا يوجد فيه سوى العشرات، بينما الآلاف قادمون عليه يزأرون معلنون عودة الثورة فى شرايين الأحرار، ثم بدأت المسيرات تتوافد على الميدان فى منظر مهيب جعل الميكروفونات تصمت و الكاميرات تثبت ، حتى تخيل الناس أن أرض الميدان تخفى الثوار تحتها و هاهى تنشق عنهم ليظهروا للنور و يملأوا الدنيا بالأمل.

كان اليوم من أحشد الأيام التى شهدتها الثورة، بينما غاب عن اليوم التيار السياسى المتأسلم رافضا المشاركة.
كانت المطالب واضحة و هى :
- استقلال القضاء و الغاء وزارة العدل.
- وقف المحاكمات العسكرية للمدنيين فورا و اعادة النظر فى قضايا المحكوم عليهم عسكريا أمام قاضيهم الطبيعى.
- تطهير الداخلية من جميع قيادات وزيرها السابق حبيب العادلى.

توجهنا في تمام الساعة الخامسة، فى مسيرة ضخمة الى دار القضاء العالى لنهتف طالبين باستقلال القضاء، ثم توجهنا الى السفارة الاسرائيلية فى تمام الساعة السادسة و الربع بعد أن علمنا أن هناك مسيرة أخري توجهت الى هناك بالفعل و أطلقوا عليها "مسيرة الشواكيش".
عندما وصلنا وجدنا أن المسيرة الرمزية تحولت لفعل على أرض الواقع، و قرر الثوار هدم الجدار العازل الذي أقامه المجلس العسكري لتحتمى به سفارة الصهاينة. بدأ التهليل و التكبير بعد سماع أول طرقة للشواكيش علي الجدار ثم بدأت تتحول الأحلام الى حقيقة و النفوس تمتلئ بالعزيمة عند سقوط أول جدار، كنا غير آهبين أى شئ لا عساكر الأمن المركزى و لا مدرعات الجيش و لا حتى عصى الشرطة العسكرية الكهربائية.
بعد أن تساقط معظم الجدار، رأينا ٤ شباب يحاولون التسلق على جدار السفارة الاسرائيلية علي غرار" أحمد الشحات" لينزلوا العلم الاسرائيلى من عليها.. بدأت الأنفاس تُحبس شيئا فشيئا كلما أصبحت أجسادهم معلقة فى الهواء، أثبتوا أن فى مصر وحدها المعجزات تتكرر، و أن مصر ليس بها "رجل عنكبوت" واحد و لكن بها الكثيرون منه.
وصل أحدهم الى سرية العلم، و أنزله من عليها. و رفع علم مصر مكانه ليرفرف فى سماء القاهرة،


الى هنا و كان اليوم مقدوا له بأن يكون أسطوريا بجميع المقاييس، فالمسيرات أتت بثمارها و حشدت أعداد مهولة في تنظيم لم يحدث منذ الأيام الأولى للثورة، وصلت الرسالة عالية و محددة بأوامر الشعب الثائر، أسقطنا جدار الخزى و العار، و تم انزال العلم الصهيوني فى رسالة شديدة اللهجة أننا نرفض كليا و جذريا هذا الكيان السرطانى.

بعد هذا بحوالي ثلاث ساعات و بالتحديد على الساعة العاشرة بدأت تأتى أنباء بمحاولات لاقتحام السفارة الصهيونية، و أنباء عن مناوشات خفيفة أمام سفارة "السعودية" لأن بعض الثوار قد ذهبوا يهتفون أمامها منددين بما لقاه المصريون فى رحلة عمرة رمضان الآخيرة.
ثم جاءت الأخبار بالفعل تم اقتحام مبنى السفارة الصهيونية بل و القاء الأوراق من الشباك!!! توجهت الى هناك مسرعا، لأجد أن الساحة تحولت الي ساحة قتال بالفعل، عشرات المدرعات و ناقلات الجنود تصف فى الطريق، و آلاف العساكر منتشرة في تشكيلات في كل مكان، ثم نظرت الي السماء وجدتها محجوبة بألالف الأوراق التي تتطاير كالعصافير من شباك السفارة!!
بدأ الشك ينتابني بشدة، مَن هؤلاء؟؟؟ و كيف سمح لهم بهذه السذاجة و البساطة الوصول الى داخل السفارة؟ لمصلحة من يفسد هذا اليوم الجميل الأسطورى ؟!!!
أمام عمارة السفارة الصهيونية كوبري يحدها و بينهما ممر، هذا الممر في المعتاد كان به ناقلة جنود و مجنزرة و دوريات ثابتة لتأمين السفارة، فتوجهت الي هناك، فلم أجد منهم نفر !!!! بل وجدت آلاف المواطنون يقفون بدلا منهم فى الممر !!!

لقد وصلتنى الأنباء ليلة التاسع من سبتمبر أن بالفعل تم عقد اتفاق بين أفراد من الداخلية و الشرطة العسكرية و بعض رؤوس البلطجية، و لكن ما فهمته من الكلام أن هؤلاء البلطجية سيهاجموننا نحن، و لما مر أول اليوم بسلام حمدنا الله أن خيب ظنوننا و لم يتجرأ أحد علي المساس بنا.
و لكن بعد قليل بدأت عمليات التراشق بالحجارة بين مجموعة من الأشخاص و جنود الأمن المركزى، و هؤلاء الأشخاص لم يجدى معهم أى حديث أو رجاء، فبدأ بعدها الرد على الحجارة بقنابل الغاز المسيل للدموع، ثم وجدنا حريقا قد نشب فى حديقة الأورمان، اصطحبت صديقى "عمر نصرت" بعد أن وصف الوضع بنظرة ثاقبة قائلا "أهلا بكم فى مدينة البهائم" و انصرفنا لنعود من حيث أتينا.

في الطريق الي السيارة، وجدنا أنفسنا فى صفوف الأمن المركزي نقف بينهم و بجوارهم، فكانت تلك المرة الأولى أن تقف فى هذا الموضع نرى ما يحدث في الجبهة الأخرى، الجدير بالذكر أننا اكتشفنا أن الشرطة كلها لها نظام واحد فى اعطاء الأوامر و هو يمتاز بتتخين الصوت مع الشخط في آن واحد!!! نعم ، بدأت أعطى الأوامر للعساكر بعدم القاء الحجارة علي المتمردين حتى لا يعاودوا قذفهم بها و أن يحتموا وراء دروعهم فقط ، فوجدهم يلبون التعليمات دون أن يسألوا مَن أنا !!!! ثم وجدت ضابط برتبة نقيب يوجه القنابل المسيلة للدموع كقذيفة ليصيب بها أحدهم، و بنفس الأسلوب أعطته أمر بتوجيها لأعلى حتي لا يصيب أحد .. فوجدته أيضا ينفذ الأمر!!! أخذناها كلعبة لبضع الوقت نعطى الأوامر ، يتم تنفيذها بالحرف، نكب فى أنفسنا ضاحكين.

ثم وجدنا بجوارنا نقطة اطفاء الحريق، فتوجهنا لها مسرعين لنبلغهم عن حريق حديقة الأورمان، و لكنهم رفضوا الا فى وجود قوة تحميهم، بحثت بين صفوف أفراد الشرطة عن رتبة كبيرة فوجدت عميد، فقمت بإبلاغه فاستجاب لى و لكنه ذهب دون أن يتخذ أى فعل، لمحنا رقعة النار تزداد فى الحديقة، فلم أجد غير أسلوب المجنون طريق لانقاذ حديقة الخديوى اسماعيل، فصحت بأعلى صوتى أسب فى الشرطة و كل الواقفين بمن فيهم من لواءات و عمداء ثم توجهت للواء منهم و صحت فيه كالمجنون "سأحملك المسؤلية كامله ان لم تأمر حالا بإرسال عربة الاطفاء للحديقة"، وجدت بعض الضباط يلتفون حولي و يحاولون تهدأتى، و يقولون "كل اللى انت عايزه هيحصل بس بالهداوة" فأزيد من وتيرة الجنان حتى يسرعوا، و بالفعل تحركت سيارة الاطفاء و تحركت أنا و مجموعة من الشباب معها لنساعدهم و نؤمنهم اذا واجهوا أى مشاحنات من قبل المتمردون، كسرنا الجنزير الذى وصد به باب الحديقة و الحمدلله تم انقاذها .

أخيرا و ليس آخرا ما حدث ليل التاسع من سبتمبر هو ما تم تحذيرنا منه و هى مواجهة البلطجية، و لكن اليوم كانت مواجهة من نوع خاص بأن تراشقوا معنا فى الصفوف و بدأوا في استفزاز الشرطة، بالطوب و المولوتوف ، و تطور الأمر أن أطلق أحدهم - بينما أنا واقف فى جبهة الشرطة - علينا طلقة خرطوش فأصابتنى في خدى الأيسر و أصابت جندي بجوارى في كتفه.

هذه شهادتي علي هذا اليوم ، و أدعو الثوار الأحرار أن يكملوا مسيراتهم غدا و كل يوم فى أسبوع "سيادة الشعب" ، بنفس السلمية، مبتعدين عن الفخاخ التى تنصب لثورتنا كل يوم، للأسف من الأعداء و الأصدقاء، و نثبت على مطالبنا حتى نقتنصها.

عبدالله شلبى
١٠ سبتمبر ٢٠١١
٣:١٢ صباحا